قالب الحلوى

أول درس تعلّمته في المناقصات لم يكن في كتاب اقتصاد، ولا في محاضرة جامعية، بل في قاعة صغيرة عام 2010.

دخلت يومها أول جلسة مناقصة في حياتي وأنا أحمل تلك الفكرة الساذجة التي يتعلّمها الجميع في البدايات: متنافسون شرسون، عروض تتسابق إلى خفض الأسعار، ومصلحة عامة تخرج رابحة من هذه المنافسة المحتدمة.

لكن ما رأيته كان شيئًا آخر تمامًا.

لم يكن في القاعة ذلك التوتر الذي يرافق عادة احتمال الربح أو الخسارة. لم تكن هناك عيون تترصّد أخطاء الآخرين، ولا اندفاع لكسر الأسعار كما كنت أتخيّل. كان الهدوء سيّد المكان… هدوء من يعرف مسبقًا أن الأمور لن تخرج عن سياقها، وأن النتائج كُتبت قبل أن تبدأ الجلسة.

مع مرور الوقت، بدا المشهد أقرب إلى طاولة كبيرة وُضع عليها قالب حلوى. الجميع حول الطاولة يعرف، أو يكاد، أي قطعة ستؤول إليه. لا داعي للصراخ حين تكون السكاكين قد رُسمت مساراتها سلفًا، ولا حاجة للمغامرة عندما يكون التقاسم مضمونًا.

في مثل هذه الأجواء، تبقى العلاقات ممتازة، وتبقى الأرباح مطمئنة، وتظل المفاجآت محدودة، إن لم تكن معدومة. أما المصلحة العامة، فهي غالبًا الضيف الذي يقف قرب الطاولة… يتفرّج، وربما يُطلب منه التصفيق.

بعد سنوات، وأنا أتابع الحياة السياسية في لبنان، عادت تلك القاعة القديمة إلى ذهني أكثر من مرة.

في الظاهر، تبدو السياسة ساحة صراع مفتوح: خطابات نارية، خصومات حادّة، ومعارك لا تنتهي بين الأحزاب والتيارات. مشهد صاخب يوحي بأن كل شيء على المحك، وأن أحدًا لن يتنازل.

لكن عند النظر بهدوء، ومن دون انفعال، يخطر للمرء أحيانًا أن هذا الضجيج ليس سوى جزء من العرض.

فالطاولة موجودة هنا أيضًا.
وقالب الحلوى… حاضر.
والقطع… تبدو موزعة بعناية.

أما نحن، الجمهور، فننشغل غالبًا بمتابعة الضجيج حول الطاولة… بينما يجري تقاسم الحلوى بهدوء.

مقالات الكاتب

كريم ناصر

كاتب وباحث في الشأن العام، يهتم بقضايا الدولة والحوكمة والهوية الوطنية. يعالج العلاقة بين السياسة والرمزية بأسلوب تحليلي يمزج السرد الفكري بالمقاربة النقدية.