نصف مليون سوري في سوق بلا رقابة… خسائر لبنان بعشرات الملايين وأمنه الغذائي مهدّد

 

«بعض السوريين يديرون ورشاً ومصانع من دون تراخيص، ويستوردون بضائع عبر معابر غير شرعية من دون دفع الرسوم، في حين يتحمّل اللبنانيون الضرائب كاملة».

هو واقع يختصر انهياراً منظَّماً لمقوّمات سوق العمل والقيم الاقتصادية. فبين قوانين معلّقة على الورق، وغيابٍ شبه تامّ للرقابة والمحاسبة، تمدّدت الفوضى لتطال مختلف القطاعات، وفتحت الباب واسعاً أمام أنشطة تجارية ومهنية غير شرعية يمارسها عدد من العمال الأجانب من دون أي رادع.

النتيجة واضحة: مؤسسات لبنانية تُقفل، تجار يُفلسون، وشباب كفوؤون يُهاجرون بحثاَ عن كرامة مهنية فقدوها في وطنٍ لم يعد يحمي أبناءه ولا يطبّق قوانينه.

وهنا يُطرح السؤال: كيف تحوّلت العمالة السورية من حاجة اقتصادية ملحّة إلى عامل يُهدّد توازن السوق اللبناني ويُضعف ما تبقّى من اقتصاده المنظَّم؟

من ناحية القانون

ينصّ قانون العمل اللبناني على أن تشغيل الأجانب يخضع لشروط دقيقة تهدف إلى حماية اليد العاملة اللبنانية وضمان التوازن في سوق العمل.

وبموجب القرار رقم 1/48 الصادر عن وزارة العمل، تُحصر العديد من المهن باللبنانيين، ولا يُسمح للأجانب بالعمل إلا بإجازة رسمية وفي قطاعات محددة كالزراعة والبناء والخدمات اليدوية.

كما يُمنع الأجانب من فتح مؤسسات تجارية أو ممارسة أنشطة استيراد وبيع دون سجلّ وترخيص قانوني. وتتولّى وزارة العمل والأمن العام مراقبة تنفيذ هذه القوانين لضمان العدالة ومنع المنافسة غير المشروعة التي تضرّ بالاقتصاد الوطني.

صرخة أصحاب المؤسسات

يقول أحد أصحاب المؤسسات الصناعية إنّ «العمالة السورية لم تعد تقتصر على الأعمال اليدوية، بل تمدّدت إلى المهن الحرة والتجارة وحتى الاستيراد غير الشرعي، ما خلق اختناقاً في السوق المحلي».

ويحذّر من أنّ استمرار هذا الواقع يدفع العديد من اللبنانيين إلى إغلاق مؤسساتهم أو الهجرة، لأن العدالة الاقتصادية غائبة والمنافسة غير متكافئة.

العمالة السورية عبء على الاقتصاد اللبناني

من جهته، وفي حديث لـ«بيروت 2030»، يعتبر الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب أن المشكلة تبدأ من عدم تطبيق القوانين، أو من تطبيقها بطريقة استنسابية. «فعلياً، لبنان بحاجة إلى اليد العاملة السورية في بعض القطاعات الحيوية. ففي فترات النمو الاقتصادي، تحتاج البلاد إلى نحو 400 ألف عامل أجنبي، يشكّل السوريون غالبيتهم، إلى جانب المصريين والسودانيين، ولا سيّما في قطاعات الزراعة والبناء. أما اليوم، ومع تباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع النشاط الزراعي، خصوصاً في مناطق الجنوب التي لا تزال تعاني من النزاعات على أراضيها، فتقدَّر الحاجة الفعلية بحوالى 250 إلى 300 ألف عامل سوري».

لكنّ بو دياب يؤكد أنّ هذه الحاجة لا تعني منافسة مباشرة للبنانيين، لأنّ اليد اللبنانية غائبة عن هذه المهن أساساً. فحين يغيب العمال السوريون عن المناطق الريفية، يبدأ أصحاب الأراضي بالبحث عمّن يعمل في المواسم الزراعية، ولا يجدون أحداً، مشيراً إلى أنّ معظم الشباب اللبنانيين هم خرّيجو جامعات ومعاهد عليا لا يقبلون بالوظائف اليدوية التي تشغلها العمالة الأجنبية.

ويرى بو دياب أنّ «الخطر لا يكمن في وجود العمال السوريين بحدّ ذاته، بل في تجاوزهم الإطار القانوني المنظّم لسوق العمل، إذ يدير بعضهم محالّ ومصانع غير مرخّصة تُحدث منافسة غير متكافئة تُضعف التاجر والصناعي اللبناني». ويضيف أنّ هذه المؤسسات غير الشرعية تُكبّد الدولة خسائر نتيجة التهرّب من الضرائب، فيما تُطرح سلع غذائية خارج الرقابة الصحية، ما يهدّد الأمن الغذائي وسلامة المستهلك اللبناني.

الاستثمارات مرحّب بها… لكن تحت سقف القانون

كذلك يشدّد بو دياب على أنّ «لبنان لا يعارض استقطاب الرساميل والاستثمارات الأجنبية، بل على العكس يرحّب بها شرط التزامها بالأطر القانونية اللبنانية التي تضمن المنافسة العادلة وتنظّم الحركة الاقتصادية». ويرى أنّ الحل يبدأ بتفعيل الرقابة وتطبيق القوانين بصرامة، عبر منح البلديات صلاحيات أوسع لإجراء مسح شامل للمؤسسات غير المرخّصة وتنظيمها، لأنّ تجاهل هذه الإجراءات يشكّل استغلالاً للمرافق العامة وللسلطة، ويكرّس فوضى اقتصادية يدفع المواطن اللبناني ثمنها أولاً.

تشير المعطيات الرسمية إلى أنّ حجم العمالة السورية في لبنان يتجاوز اليوم نصف مليون عامل، في حين لا تتعدّى الحاجة الفعلية للقطاعات الإنتاجية ما بين 250 و300 ألف عامل، كما سبق وأشرنا. هذا الفائض في اليد العاملة، غير المنظَّم قانونياً، يُترجم بخسائر مباشرة على الاقتصاد اللبناني تُقدَّر بعشرات ملايين الدولارات سنوياً نتيجة التهرّب الضريبي، وتراجع الجباية، وتوسّع الأنشطة التجارية غير الشرعية.

وفي ظل غياب سياسة تشغيل وطنية واضحة، تتآكل قدرة الدولة على تنظيم سوق العمل وضمان العدالة الضريبية والمهنية. فاستمرار هذا الواقع يعني مزيداً من إقفال المؤسسات الصغيرة، وتراجع فرص العمل النظامية، وتفاقم الهجرة في صفوف الكفاءات اللبنانية.

الحلّ لا يمرّ عبر المواجهة الشعبوية، بل عبر تطبيق القوانين القائمة، وتنفيذ مسح شامل للمؤسسات والعمال الأجانب، وإعادة توزيع اليد العاملة بما يتناسب مع حاجات الاقتصاد الفعلية. فهل من يتحرّك ليعيد الاعتبار إلى الأسواق اللبنانية؟

مقالات الكاتب

جويل الفغالي

صحافية اقتصادية حاصلة على شهادة في الاقتصاد، متخصصة في متابعة الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية وتحليل السياسات العامة وتأثيرها على المجتمع.