إضراب المساعدين القضائيين يدخل أسبوعه الثالث

ضياع بين المطالب المشروعة ومخاطر الاستغلال

سيبقى مرفق العدالة معطّلًا للأسبوع الثالث على التوالي، بعدما جرى تمديد الاعتكاف حتى السادس من شباط الحالي، ولعلّه يستمر أكثر. اللافت أن أيًا من نواب الأمة لم يلتفت، خلال جلسات مناقشة الموازنة العلنية، إلى خطورة هذا الوضع وتداعياته. فما بدأ صرخةً محقّة لإنقاذ ما تبقّى من العدالة، تحوّل مع مرور الوقت، وسلسلة البيانات الحادّة، إلى مشهدٍ مُعقّد تتداخل فيه المطالب العادلة مع استراتيجيات السلطة التنفيذية والقضائية.

فبعد أسابيع من الاعتكاف المتواصل للمساعدين القضائيين، والذي كان يمكن لهيئة التفتيش القضائي إنهاؤه باتصال واحد لو توافرت النية، يتبيّن أن المشهد لا يقتصر على معاناة فئة مهمّشة داخل مرفق العدالة، بل يتعدّاها إلى صراعٍ خفيّ بين مختلف المكوّنات العاملة في هذا المرفق، ومحاولة واضحة لتحويل المساعدين القضائيين إلى ورقة ضغط في معركة ليست معركتهم. إن إطالة أمد الاعتكاف لا تبرّر الابتزاز، ولا تُشرعن الحلول الترقيعية المطروحة، ولن تزيد الوضع إلا تفاقمًا، في ظل غياب الحكمة عن الجميع، ولا سيما أولئك الذين همسوا بوجوب تمديد الاعتكاف بدل السعي الجدي إلى معالجته.

مطالب مشروعة أم خطاب تبرير؟

في الوقت الذي يواصل فيه المساعدون القضائيون اعتكافهم المطلبي المشروع، والذي عبّروا فيه عن رفضهم «الجوع والذل»، لا يمكن لأيّ منصف تجاهل أحقّية هذه المطالب. غير أنّ ذلك لا يعني إمكان تمرير بعض الادعاءات الواردة في بياناتهم من دون تعليق أو مساءلة. فادعاؤهم أن «الحديث عن استيفاء رسوم غير قانونية لا يمكن فصله عن الواقع المعيشي القاسي» يشكّل تبريرًا خطيرًا لا يقبله القانون ولا الضمير، وفي دول أخرى كانت النيابة العامة لتتحرّك عفوًا إزاء مثل هذا الكلام.

كما أن رفضهم «تصوير المساعدين القضائيين كسبب للفساد أو كطرف وحيد في الرشى» يستوجب التوقّف عنده، لما يحمله من تعميم مضادّ لا يقل خطورة، ويشكّل تطاولًا على جسمٍ مهنيّ بأكمله. صحيح أن التعميم مرفوض، لكن الإنكار مرفوض أيضًا. فوجود ظاهرة «الإكراميات» أو «أكياس الهدايا» في قصور العدل مرضٌ مزمن ينخر في جسد العدالة، ولا يجوز تحميل غياب دور الدولة مسؤولية ممارسات فردية تخالف القانون والأخلاق.

وهنا تبرز مسؤولية نقابة المحامين في بيروت، بوصفها الحارس الأمين على مهنة المحاماة، في اتخاذ قرارات حازمة لفرض وقف هذه الممارسات بشكل كامل، والإعلان صراحة عن رفض أي شكل من أشكال «الإكراميات» أو «الهدايا» داخل قصور العدل، بل ومكافحتها بكل الوسائل المتاحة، وهي كثيرة. كما يتعيّن عليها تحمّل مسؤوليتها في توعية المحامين والمتقاضين بعدم المشاركة في هذه الثقافة الاجتماعية المُدانة، ولا سيما أن الأطراف المعنية والمستفيدة أثبتت استعدادها للانقلاب على أعضاء الهيئة المهنية بسرعة البرق، وكأن الجميع يقول: «دفنّا الشيخ زنكي سوا».

التوظيف السياسي للاعتكاف: أداة في أيدي من؟

يبرز في المشهد الراهن سؤال جوهري: هل بات المساعدون القضائيون أداة في يد فئة أخرى استطاعت، خلال الأزمات المتلاحقة، تجنيب نفسها الارتدادات الكارثية التي أصابت عموم الشعب اللبناني؟ هنا لا بد من التذكير بأننا في لبنان، حيث تمكّنت جمعية المصارف من تحييد نفسها عن تبعات الانهيار، وحين ضمنت الإفلات من العقاب بفضل الضمانات التي مُنحت لها، تجاوزت حدودها وتمادَت في سلوكها.

تتضح الصورة أكثر عند متابعة سلسلة البيانات الأخيرة المنسّقة بعناية. فبينما هدّد نادي قضاة لبنان بإضراب تحذيري ونفّذه، وربط استمرار العمل القضائي بـ«تأمين الحد الأدنى من اللوجستيات»، تعرّضت نقابة المحامين في بيروت لهجوم مباشر. ويكشف هذا التحوّل اللافت في المقاربات المالية للحقوق عن توتّر غير مسبوق في العلاقة بين مكوّنات الجسم القضائي.

بل إن زيارة خاطفة لمسؤول قضائي رفيع، بتاريخ 25 كانون الثاني 2026، لتأمين إذن ملاحقة بحق أحد كاشفي الفساد، أعقبها إعطاء إشارة بتوقيف محامية متدرّجة بشكل استثنائي في 30 كانون الثاني 2026، يؤكّدان أن غضب «أهل السلطة» بدأ يُوجَّه نحو المحامين، كلما لم يلتزموا بما تريده الأطراف النافذة من زيادات في الرسوم، ولو كان الثمن مزيدًا من تقويض العدالة نفسها.

التعالي في عبارة «العاملين في كنف السلطة القضائية»

هنا لا بدّ من رفضٍ صريح لما ورد في بيان نادي قضاة لبنان، ولا سيما تلك العبارة التي تطالب «العاملين في كنف السلطة القضائية» بالتكاتف والتضامن. فهذه العبارة تحمل في طياتها مفهومًا خطيرًا يضع المحامين تحت جناح السلطة القضائية، وهو ما يتناقض مع استقلالية مهنة المحاماة ودورها كسلطة مستقلة ورقابية في مواجهة القضاء.

المحامون ليسوا «عاملين في كنف» أي سلطة؛ بل هم، لمن يغفل أو يستغفل، شركاء في تحقيق العدالة، وحراس لحقوق الناس، ويقفون على قدم المساواة مع القضاة في أداء رسالة العدل. إن أي محاولة لدمجهم في هيكل «السلطة القضائية» ليست سوى محاولة لتحييد دورهم النقدي والرقابي، وهو ما يجب أن ترفضه نقابة المحامين والمجتمع القانوني بأكمله.

ومن هنا، لا بدّ من التشدد أكثر في مسألة تسليم المحاميات والمحامين إلى القضاء الجزائي، من دون أن يعني ذلك عدم محاسبة أي مرتكب تأديبيًا. إلا أن استسهال إعطاء الأذونات بالملاحقة، في ظل وفرة الطلبات واعتماد أسلوب المحاباة، جعل البعض يستسهل التمادي، وهو أمر لا يجوز إغفاله، كما لا يجوز إغفال دور مجلس القضاء الأعلى في لجم تكرار مثل هذه العبارات المتهورة.

الترقيع بدلًا من الإصلاح على المستوى المالي

إن هذا الجنوح الخطير في مرفق العدالة يحمل دلالات عميقة. فبدل أن تتضافر الجهود لإنقاذ مرفق القضاء من الانهيار، نرى كل جهة تسعى إلى حصد مكاسبها الخاصة. فالوزير ومجلس القضاء الأعلى يعلنان عزمهما «تحسين أوضاع القضاة» في بيان مشترك، ليُكشَف لاحقًا داخل مجتمع العدالة عن مسعى جدّي لتأمين تمويل إضافي عبر محاولة تمرير فرض رسم جديد على المعاملات المجراة لدى كتبة العدل بنسبة واحد بالألف، على غرار ما تحصل عليه نقابة المحامين.

هذا الاقتراح، إذا ما تحقق، ومن دون أن يرافقه إصلاح حقيقي يزيد من عدد القضاة، ويحدّ من بطء العدالة والمماطلة، ويضمن حضور القضاة الدائم إلى دور العدل لممارسة مهامهم من داخلها وفي مكاتب لائقة، مع عدم إغفال وجوب تنقية الصفوف ومكافحة الفساد، سيكون مجرد خطوة ترقيعية إضافية. فبدل محاسبة الفاسدين، يجري عمليًا منحهم حقوقهم كاملة عبر الإيعاز لهم بضرورة تقديم الاستقالة، في مشهد يفرغ أي إصلاح من مضمونه.

أين دور نقابتَي المحامين؟

في خضم هذا المشهد، يأتي بيان نقابة المحامين في بيروت الأخير ليعكس حالة من الاحتقان المهني، وهي حالة واقعية داخل صفوف المحاميات والمحامين. فبينما أعربت النقابة عن تفهّمها لمطالب المساعدين القضائيين، لوّحت بـ«التحرك لفرض انتظام العمل» في حال استمرار الاعتكاف، ورفضت أي حلول تُموَّل على حساب المحامين والمتقاضين.

هذا الموقف يضع المساعدين القضائيين أمام مسؤولياتهم في حسن تقدير المرحلة، بدل الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع المحامين ونقابتهم، بما يؤدي إلى تشتيت الجهود وتحريف البوصلة عن المطالب الأساسية. ومن الحريّ بمجلسي نقابتَي المحامين في بيروت وطرابلس، وبعد الرد الذي نُشر في البيان، أن يكونا أكثر حزمًا في ما يخصّ رفض ظاهرة «الإكراميات» ومكافحتها، وأن يعلنا بوضوح أنهما لن تتستّرا على أي محامٍ يشارك في هذه الممارسات، وأنهما سيتعاونان مع الجهات الرقابية للقضاء عليها، إلى جانب وضع آلية منطقية لتسديد السلف المرتبطة بمختلف المهام القضائية التي ترافق مسار أي ملف عالق أمام القضاء.

الإنقاذ لا يكون بالتوظيف ولا بالترقيع

في ظل استمرار الاعتكاف وتمديده، يبرز اليوم خطر حقيقي يتمثل في تحوّل هذا الصراع من كفاح عادل لحفظ كرامة الموظفين إلى حلبة صراع داخلية بين أجنحة القضاء، حيث يُستخدم المعترضون وقودًا لمعركة ليست معركتهم. ومن هنا، فإن الدعوة الموجّهة إلى المساعدين القضائيين هي أن ينتبهوا جيدًا، وألا يسمحوا بأن يتحولوا إلى أداة في يد أي طرف، أيًّا يكن هذا الطرف، وأن يحافظوا على استقلالية مطالبهم المالية والاجتماعية المشروعة.

كما أن الدعوة موجّهة إلى القضاة لتوخي التواضع والحكمة، فالقليل من التواضع يرفع من شأن الإنسان ويعزز هيبة القضاء، أما التعالي في البيانات فلا يعدو كونه دليل تقصير ونقص. أما نقابتا المحامين، فعليهما أن تبقيا حارستين صارمتين لاستقلال المهنة، وأن ترفضا أي محاولة لدمجهما في «كنف» أي سلطة، وأن تكونا متعاضدتين وفي الصف الأول لمكافحة أي ممارسة تسيء إلى نزاهة العدالة، حتى ولو صدرت هذه الممارسات من داخل قصور العدل نفسها.

إن إنقاذ القضاء لا يكون بتحسين وضع فئة على حساب أخرى، ولا بفرض رسوم جديدة تثقل كاهل المتقاضين والمحامين، ولا باعتماد خطاب تبريري للفساد الصغير. فالإنقاذ الحقيقي يبدأ بإصلاح جذري يقوم على ضمان رواتب عادلة لجميع العاملين في القضاء، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وتمكين المحققين العدليين من العمل بحرية، وإنصاف المودعين، ووضع حد جذري لسياسة الإفلات من العقاب، سواء طالت السياسيين أو الأمنيين أو المصرفيين. وهذا المسار يتطلب حملات وعي أولًا، ثم إرادة سياسية حقيقية، والأهم تضامنًا فعليًا بين جميع مكونات الجسم القضائي قبل فوات الأوان وانهيار الهيكل على الجميع.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.