الجوهر والمظهر في المجتمع اللبناني المأزوم

 

مما لا شكّ فيه أنّ العديد من الشعوب العربية تعيش سباقًا محمومًا نحو “الظهور”. ويبدو ذلك واضحًا في مجتمعنا اللبناني المأزوم اقتصاديًا بعد أن انتصر المظهر على الجوهر وأصبح الثراء الحقيقي يُقاس بعدد الصور والإعجابات لا بعدد الإنجازات، وصار امتلاك السيارات الفارهة رمزًا لأهمية مالكها، والساعة الباهظة بطاقة هوية اجتماعية، والثياب المبهرة تعويضًا عن دفتر توفير فارغ. وهكذا تحوّل الغنى من معنى إلى مشهد، ومن استقرار إلى استعراض.

نعم، هكذا يواصل الناس حياتهم في بلدٍ يعيش أزماتٍ اقتصادية وسياسية متواصلة. يواصلون عرض مظاهر البذخ وكأنهم يتحدّون الواقع بعرض عطوراتهم الثمينة الأسعار والذهب والابتسامات المصطنعة. أعراس تُبثّ مباشرة عبر الإنترنت، صورٌ مقرفة لموائد عامرة في زمن الجوع، حفلات تُنفق فيها الأموال التي لا تُملَك، وديونٌ تُكدَّس لتغطية “الصورة”. وأصبح بعضهم يعيش دور الغنيّ المقتدر فيما يقاسي ليلًا من القلق والخوف من انكشاف أمره. رغم أن المجتمع ربما لن يسأل “من أين لهم هذا؟”. وهكذا تحوّل التفاخر إلى أسلوب عيش، والبذخ إلى وسيلة إثبات للذات في عالم السوشال ميديا.

ومع علم الجميع أن الغنى الحقيقي ليس في الكماليات، بل في البساطة الواعية. فأن تكون غنيًا يعني أن تمتلك حرية القرار، لا عبودية القروض. أن تعيش بطمأنينة لا باستعراض. أن تستثمر في ذاتك لا في قناعك. فإن الحال فالج لا تعالج والناس باتت تقلّد بعضها في إبراز الثراء المادي رغم عدم توفره عند البعض. تأمّلوا، أصدقائي القرّاء، في سيرة أشخاصٍ من حولكم صنعوا ثرواتهم بصمت؛ هؤلاء لم يحتاجوا إلى مظهرٍ يصرخ بالرفاهية لأن نجاحهم كان أبلغ. فالغنى الصادق لا يحتاج إلى إعلان… هو يُرى في راحة البال، في سخاء اليد وفي الاتزان. وهكذا، فأن تكون غنيًا هو خيار حياة، أما أن تبدو غنيًا فهو مجرّد مشهدٍ مؤقّت… وسريع الانطفاء.

مقالات الكاتب

نقولا أبو فيصل

رئيس تجمّع الصناعيين في البقاع.