لبنان بين رسائل التهدئة وطبول الحرب… قراءة في خطاب السفير الإسرائيلي وحدود المناورة

لا شيء يحدث بلا قصد في الشرق الأوسط. فالكلمات تُختار كما تُختار الجبهات، والإشارات الدبلوماسية كثيرًا ما تكون أكثر فتكًا من الصواريخ.

في الأيام الأخيرة، خرج سفير الكيان الإسرائيلي في واشنطن بخطاب موجّه مباشرة إلى اللبنانيين، مستخدمًا مفردات السلام والوئام، ومُحمّلًا في الوقت ذاته اتهامات لحزب الله بأنه يسعى لفرض أجندة دينية سياسية تتجاوز حدود لبنان. هذا الخطاب ليس دعوة للحوار بقدر ما هو حلقة في سلسلة الرسائل التي تسبق عادة اللحظات الفاصلة.

لماذا الآن؟ التوقيت أكثر دلالة من الكلمات. فالإدارة الأمريكية، في نسختها الحالية، وضعت مهلة للبنان تنتهي نهاية ديسمبر، تتعلق بسلاح حزب الله ودوره الإقليمي. بالتوازي، تدفع واشنطن نحو تسوية شاملة: تهدئة في غزة، تقليص النفوذ الإيراني، وترتيبات إقليمية جديدة تُعيد إنتاج “اتفاقيات إبراهيمية بشكل جديد” بصيغة موسّعة تشمل شمال المنطقة لا جنوبها فقط.

وهكذا يأتي خطاب السفير الإسرائيلي بنبرة سلام شكلية، هدفها إعادة تقديم الكيان كطرف “ودود” يريد الاستقرار للبنان، بينما الرسالة الحقيقية: على المقاومة أن تتراجع، أو فليتحمّل لبنان تبعات المواجهة.

لغة سلامٍ بوجهين

الخطاب الظاهري يتحدث عن شراكة اقتصادية ومستقبل مزدهر. لكن خلف هذه الكلمات تكمن محاولة مكشوفة لنزع الشرعية الشعبية عن سلاح المقاومة، وإظهار حزب الله كسبب كل أزمة.

هذا الأسلوب هو الامتداد الطبيعي لعقيدة أمنية إسرائيلية قديمة: اقتل شرعية السلاح أولًا… ثم تفاوض على الأرض ثانيًا.

لقاء الناقورة… رسائل تتقاطع

التسريبات حول لقاء الناقورة بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين، وإن تم بحضور دولي، تعكس حجم القلق الذي يسبق لحظات الحسم. فالتفاوض يجري فيما الطائرات المسيّرة لا تغادر السماء، والحدود مشتعلة بنيران محسوبة، وحزب الله يتعامل مع المرحلة باعتبارها جزءًا من صراع وجودي، لا مجرد مناوشات تُضبط بإشارة من الخارج.

عودة ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي أعادت معها نزعة ترتيب الشرق الأوسط على طريقة الصفقات: تهدئة مؤقتة، اتفاقات أمنية طويلة المدى، ودمج إسرائيل في المجال الإقليمي.

ترامب، وفق تقارير عديدة، يضغط على نتنياهو لتقليص التصعيد، ليس حماية للبنان، بل لحماية خطته لأمن إسرائيل على المدى البعيد. ومع ذلك، يبقى تأثيره محدودًا أمام حكومة إسرائيلية تمزّقها أزماتها الداخلية وتبحث عن أي نصر يُرمّم صورتها.

هل تندلع الحرب؟

الحرب ليست قدرًا محتومًا، لكنها احتمال واقعي للغاية. كل الأطراف تتحرك وكأنها فوق أرض زجاجية:

  • إسرائيل مثقلة بجراح غزة وغير راغبة في فتح جبهة شاملة مع حزب الله.
  • حزب الله مستعد لكل السيناريوهات ولن يقبل بأي صيغة تمسّ جوهر قوته.
  • واشنطن تريد تهدئة مدارة وتحاول فرض إيقاعها على الجميع.
  • أوروبا في حالة هلع من أي مواجهة واسعة قد تُشعل الإقليم بأكمله.

لكن أخطر ما في المشهد أن الحرب الكبرى لا تحتاج قرارًا… بل خطأ واحدًا فقط. ولكن يبقي السؤال هل تندلع حرب ؟ في الشرق الأوسط، السلام يُعلن على الورق، بينما تُدار الحرب في العقول وغرف الاستخبارات. والخطاب الإسرائيلي الأخير ليس إعلانًا لنوايا طيبة، بل خطوة في معركة نفسية تهدف لتهيئة الأرض لسردية جديدة إذا اشتعلت الجبهة الشمالية.

لبنان اليوم يقف عند مفترق طرق: إما تسوية دقيقة تُدار بخيوط أمريكية، أو حرب لا يريدها أحد لكن لا يستطيع أحد منعها!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.