لبنان بين «هدنة بلا سلام» و«سلام مفروض»

قراءة في الرؤية الأميركية – الإسرائيلية ومصير الداخل اللبناني

 

بعد فترة غياب ملحوظة عن المشهد اللبناني، سواء من حيث الزيارات أو التصريحات، عاد المبعوث الأميركي توم باراك إلى الواجهة بقوة عبر منصة “X”، مطلقًا تغريدة اعتُبرت من أخطر ما كُتب عن لبنان منذ انتهاء الحرب الأخيرة.

فقد رسم باراك بخطوط واضحة ملامح المرحلة المقبلة، متحدثًا عن سيناريوهات أمنية وسياسية وانتخابية تترقّبها البلاد، في مشهد يتجاوز حدود لبنان ليشمل الشرق الأوسط برمّته: من الشمال الإسرائيلي الساعي إلى تثبيت استقراره، مرورًا بسوريا العائدة إلى مسار التطبيع، وصولًا إلى اتساع رقعة الاتفاقات الإبراهيمية التي تلوّح بانضمام دول أخرى، أبرزها المملكة العربية السعودية.

توم باراك: رؤية واشنطن لمرحلة ما بعد الحرب

في وقتٍ دعا فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى عدم بقاء لبنان خارج تطورات المنطقة، ملوّحًا بإمكانية التفاوض غير المباشر مع إسرائيل مقابل وقف الغارات والانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، خرج المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك صباح الاثنين الماضي بتغريدة وُصفت في الأوساط الدبلوماسية بأنها أخطر إشارة سياسية منذ وقف العمليات العدائية في نوفمبر الماضي.

اللافت أن هذه التغريدة تزامنت مع تصاعد وتيرة الغارات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع، واستمرار التحليق الكثيف لطائرات الاستطلاع، الذي لم يَسلم منه حتى القصر الجمهوري في بعبدا عصر أمس. هذا إلى جانب المناورة العسكرية الضخمة التي أجراها جيش الاحتلال في شمال فلسطين المحتلة، والتي تُعدّ بمجموعها رسائل سياسية مزدوجة إلى الدولة اللبنانية الرسمية وإلى حزب الله في آنٍ واحد.

وفيما كانت بيروت تحاول ترتيب بيتها الداخلي، أكّد باراك أن لا استقرار سياسي ولا إعادة إعمار قبل نزع سلاح حزب الله، واصفًا قرارات الحكومة اللبنانية في آب الماضي بهذا الشأن بأنها “طموح غير قابل للتطبيق على الأرض”.

رسائل مباشرة من واشنطن

وجاء في تغريدة باراك على “X”: “مع استعادة سوريا استقرارها من خلال التطبيع مع جيرانها، تُشكّل هذه الخطوة الركيزة الأولى في الإطار الأمني الشمالي لإسرائيل. ويجب أن تكون الركيزة الثانية نزع سلاح حزب الله داخل لبنان”.

وأضاف أن اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024، الذي رعته إدارة بايدن، فشل لأنه لم يُبرم اتفاق مباشر بين إسرائيل وحزب الله، مشيرًا إلى أن لبنان يعيش حالة “هدوء هش بلا سلام، وجيش بلا سلطة، وحكومة بلا سيطرة”.

وحذّر من أن تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026 بذريعة الحرب قد يُشعل فوضى عارمة ويمزّق النظام السياسي اللبناني، معتبرًا أن أي محاولة من حزب الله لتأجيل الانتخابات ستكون بمثابة “استيلاء غير دستوري على السلطة”.

الداخل اللبناني بين الواقع والاتهامات

وفي حين يرى باراك أن حزب الله يسعى لتأجيل الانتخابات المقبلة، تشير مصادر لبنانية إلى أن شعبية الحزب وحلفائه لم تتراجع كما تفترض واشنطن، بل ازدادت في بعض المناطق نتيجة الحرب الأخيرة، ما قد يمنحه تفويضًا سياسيًا جديدًا.

ومع ذلك، حذّر باراك من أن أي تأجيل تحت عنوان “الظروف الأمنية” سيُعتبر تمديدًا قسريًا مقنّعًا، وقد يدفع الشارع إلى موجة احتجاجات أوسع من انتفاضة 2019، في ظل سلاح منتشر وأزمة اقتصادية خانقة.

في المقابل، أكّد باراك أن واشنطن مستعدة لتقديم دعم مالي وعسكري إضافي للجيش اللبناني يتجاوز 200 مليون دولار، في إطار خطة تُعرف داخل الأوساط الأميركية باسم “محاولة أخرى” (Another Try Plan)، وتتضمّن نزع السلاح على مراحل، وتوثيق الامتثال، وتقديم حوافز اقتصادية بإشراف أميركي–فرنسي–أممي.

ميشال عيسى: الدبلوماسية الأميركية بثوب “الحل النهائي”

في ختام تغريدته، كشف توم باراك أن السفير الأميركي الجديد لدى لبنان، ميشال عيسى، سيصل إلى بيروت الشهر المقبل “لمساعدة لبنان على السير بخطى ثابتة في هذه القضايا المعقّدة.” ويُنظر إلى عيسى، المقرّب من دوائر صنع القرار في واشنطن، كأداة لتنفيذ مرحلة جديدة من السياسة الأميركية في لبنان، تُعرف في الأوساط الدبلوماسية باسم “السلام عبر الازدهار”.

وفي تصريح نُقل عن أحد خطاباته السابقة في واشنطن، قال عيسى: “لبنان بحاجة إلى قرار سيادي واحد، ودعم المجتمع الدولي مشروط بقدرة الدولة على احتكار القوة.” وتُشير دوائر أميركية إلى أن عيسى سيعمل على ربط المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار بملف نزع السلاح والإصلاح المالي، مع التركيز على دعم الجيش اللبناني كبديل شرعي وحيد لأي قوة مسلّحة.

الموقف الإسرائيلي: من التفاوض إلى الفرض

في موازاة ذلك، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الاثنين لصحيفة الشرق الأوسط أن المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل قد سقط بسبب رفض تل أبيب التجاوب مع المقترح الأميركي الجديد، مؤكدًا أن المسار الوحيد المتاح هو “الميكانيزم” القائم على مشاركة الدول الراعية لاتفاق وقف الأعمال العدائية.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فقد صعّد لهجته، مؤكدًا أن إسرائيل “لن تقبل بعودة تهديد حزب الله على حدودها الشمالية”، وأنها ستتحرك إذا لم يتحرك لبنان بنفسه.

وفي هذا السياق، تُفسّر تل أبيب مواقف واشنطن الأخيرة باعتبارها “تفويضًا غير معلن” لتشديد الضغط العسكري والسياسي على الحزب، وصولًا إلى فرض وقائع ميدانية جديدة.

الأطراف اللبنانية: انقسام على حافة الانفجار

تأتي هذه التطورات في وقتٍ يعيش فيه حزب الله مرحلة دقيقة بعد تراجع الإسناد الإيراني المالي والعسكري، وانشغال طهران بتداعيات أزماتها الداخلية وتوازناتها مع روسيا والصين. ويرى مراقبون أن الحزب قد يتجه إلى أحد مسارين رئيسيين:

  1. التموضع الدفاعي: التركيز على حماية الداخل وإعادة بناء الجبهة السياسية.
  2. التدويل السياسي: تحويل المعركة إلى مفاوضات داخلية حول “الاستراتيجية الدفاعية”، في محاولة لكسب شرعية جديدة.

ويرى آخرون مسارًا ثالثًا ذا طابع أمني — يتوافق مع ما قاله باراك — يهدف إلى تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة.

لكن في المقابل، تُشير تحذيرات توم باراك إلى أن استمرار سيطرة الحزب على القرار اللبناني سيؤدي إلى عزلة مالية واستثمارية عربية ودولية شاملة، ما يضع بيروت أمام خيار مصيري: إما الهوية السيادية، أو البقاء رهينة السلاح.

وفي الداخل، تتصاعد مواقف القوى اللبنانية تباعًا:

  • القوات اللبنانية رأت أن الموقف الأميركي يعكس “واقعًا لا يمكن تجاوزه”، مؤكدة أن التفاوض غير المباشر مع إسرائيل ليس خيانة، بل مصلحة وطنية إذا كان هدفه استعادة السيادة ووقف العدوان.”
  • أما المجموعات الإصلاحية، فاعتبرت أن “الفرصة الوحيدة لإنقاذ لبنان تكمن في فصل الدولة عن أي قوة مسلّحة،” داعية إلى استثمار الضغط الدولي لإطلاق مسار إصلاحي حقيقي.

في المقابل، رفض الثنائي الشيعي أي حديث عن نزع السلاح، معتبرًا أن واشنطن “تحاول تحويل لبنان إلى أداة في مشروع إسرائيلي–عربي”. أما التيار الوطني الحر، فالتزم موقفًا غامضًا يراوح بين الدفاع عن الدولة والتحفّظ عن أي مواجهة داخلية. في حين شدد الحزب التقدمي الاشتراكي على أن أي مفاوضات مع الكيان الصهيوني يجب أن ترتكز على اتفاق الهدنة الموقع عام 1949.

خلاصةُ القول، إنّ تغريدةَ توم باراك، ومعها التحرّكات الأميركية – الإسرائيلية، تكشف أنّ المنطقة تدخل مرحلة ما بعد الحرب، حيث تُرسم خرائطُ النفوذ الجديدة عبر الاقتصاد والسيادة، لا عبر الجيوش.

فلبنان اليوم — بعد حرب غزّة — أمام خيارين واضحين:

  • إمّا دولة واحدة وجيش واحد، كما يريد الأميركيون والعرب،

  • أو دولة بلا سيادة وجبهة بلا نهاية، كما تخشاها الغالبية اللبنانية.

السفير ميشال عيسى سيحمل معه إلى بيروت مشروع “الوصاية الناعمة” الأميركية، في لحظةٍ تتقاطع فيها المصالح بين الأمن الإسرائيلي، والسيادة اللبنانية، والإصلاح العربي.

أمّا واشنطن، فتبدو مصمّمة على تنفيذ استراتيجيتها القائمة على شعار: “السلام من خلال الازدهار، لا من خلال المقاومة” — كما تدّعي.

وهكذا، يبقى لبنان وشعبه معلّقَين بين سلامٍ مفروضٍ لا يُطمئن، وحربٍ مؤجّلةٍ لا تنتهي.

مقالات الكاتب

د. محمد حلاوي

أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.