حرب بالاختيار: أميركا تجازف إيرانياً

ثمة حالياً قوات عسكرية أميركية كبيرة تُحشد في “الجوار الجغرافي” لإيران. أما الغاية من ذلك فلا تزال غير واضحة. وحتى الآن، لا يوجد سوى القليل من الأدلة التي تشير إلى أن هذا الحشد المتزايد من القوة النارية في الشرق الأوسط ناجح في إقناع إيران بالتخلي عما تبقّى من برنامجها النووي، الذي لم يُدمَّر كلياً.

لكن إذا فشلت سياسة الإكراه، ما الذي سيأتي بعدها؟ فإسرائيل حريصة على أن تقوم هي و/أو الولايات المتحدة بمهاجمة مخزون إيران من الصواريخ الباليستية. لكن المخاطرة تكمن في أن تردّ إيران، سواء باستهداف القوات العسكرية الأميركية في المنطقة، أو إسرائيل، أو حركة الملاحة في مضيق هرمز، أو المنشآت النفطية في أنحاء الشرق الأوسط. وإذا حدث ذلك، فإن أسعار النفط، التي ارتفعت بنسبة 10 في المئة خلال الأسبوع الماضي لكنها لا تزال أدنى مما كانت عليه قبل عام، قد تشهد قفزة حادة.

وأتصور أن هذا ليس أمراً يرغب الرئيس دونالد ترامب في حدوثه، لا سيما أن القدرة على تحمّل التكاليف لا تزال من أبرز هموم الأميركيين، وأن الانتخابات النصفية لم يبقَ على موعدها سوى تسعة أشهر. كما أن ترامب يريد، لأسباب سياسية (وينبغي أن يريد الأمر عينه لأسباب استراتيجية أيضاً)، تجنّب حرب طويلة الأمد، وهي حرب قد تكون إيران أقدر على تحمّل تبعاتها مما تستطيع الولايات المتحدة. فهل نكون عندها مستعدين للتراجع وقبول نوع من الاتفاق الذي يقيّد البرنامج النووي الإيراني، وهو اتفاق نعتبره اليوم غير مقبول؟ في الواقع، سيكون ذلك بمثابة إذلال مكلف.

بدروه، يظل الأثر الذي قد يُحدثه نزاع ما، مهما بلغت مدته أو اتسع نطاقه، على قدرة النظام الإيراني على الاحتفاظ بالسلطة، غير واضح المعالم. فمن الممكن بالقدر نفسه أن يؤدي إلى تعزيز النظام قبضته بقدر ما قد يفضي إلى إضعافها. ومن المستحيل التنبؤ بما قد يخلف هذا الأخير في حال سقوطه. كل ذلك يثير قلقي، إذ لا أرى حتى الآن رابطاً واضحاً بين الوسائل والغايات في السياسة الأميركية (وهو موضوع متكرر بما يخص هذه الرئاسة).

إن الحجة الداعية إلى استخدام القوة العسكرية ضعيفة؛ وكما جادلت هنا وفي أماكن أخرى، فإن ما يبدو أكثر وعداً هو انتهاج سياسة أميركية تزيد من الضغط الاقتصادي على النظام، إما لإحداث تغيير جوهري في سياسته الخارجية و/أو لتحفيز الانشقاقات داخل صفوفه بما يجعل تغيير النظام احتمالاً حقيقياً.

ولا بد من أن أضيف نقطة أخرى. إذ لم يبرز في الآونة الأخيرة أي تهديد جديد للمصالح الأميركية صادر عن إيران يستدعي رداً عسكرياً. الأمر الجديد الوحيد هو اندلاع احتجاجات مناهضة للنظام في أواخر كانون الأول/يناير، وما تلاها من ردّ وحشي من قبل السلطة. وقد شجعت إدارة ترامب المتظاهرين ثم تركتهم لمصيرهم. كل ذلك يطرح سؤالين أساسيين: “لماذا الآن؟” و”لماذا بالوسيلة العسكرية؟”. وهذان السؤالان مشروعان، إذ ليس من الواضح على الإطلاق أن ما يجري التفكير فيه سيشكل عاملاً مساعداً للشعب الإيراني.

وإضافة إلى غياب أي شرح علني للاستراتيجية الأميركية، يبرز أيضاً غياب أي دليل على رقابة الكونغرس. وبالمثل، يكاد ينعدم أي نقاش عام حول حكمة المسار الذي قد يكون الرئيس بصدد سلوكه. ما نراه بدلاً من ذلك هو رئيس يبدو وكأنه يعتقد أن نجاح التدخل المحدود في فنزويلا يمنحه تفويضاً لفعل ما يشاء في أماكن أخرى، مقروناً بثقة بأن الولايات المتحدة ستنجح في نهاية المطاف.

هذا الاحتمال قائم دائماً، لكن ينبغي على الجميع أن يدركوا أن ما يجري التفكير فيه حيال إيران سيكون “حرباً بالاختيار” في منطقة من العالم أثبتت فيها حروب الاختيار السابقة، بما في ذلك حرب العراق عام 2003 والتدخل في ليبيا عام 2011، أنها كانت كارثية. والخلاصة، والحال كذلك، هي أن الأمر برمته ينطوي على مجازفة هائلة وغير ضرورية وسيئة التقدير سواء بسواء.

 

ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.