الحكومة تجمّد ملف تفرّغ أساتذة «اللبنانية» بذريعة الحرب: الكلفة المالية هي السبب الحقيقي

ليست الحرب وحدها سبب تجميد البتّ بملف الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، الذي جرى الإعداد له منذ شهور بين الجامعة اللبنانية ووزارة التربية ورئاسة مجلس الوزراء لتثبيتهم على ثلاث دفعات، بعد أن تم الإقرار في شباط الماضي بتفرّغ 1,690 أستاذًا متعاقدًا. فالسبب المُعلن من قبل الحكومة هو العدوان الإسرائيلي القائم والضغط المالي الذي تعانيه بسبب تأمين متطلبات النزوح، أما السبب الأساسي فهو التجاذب الذي يحيط بهذا الملف بين كونه حاجة أكاديمية مُلحّة، وبين واقع سياسي ومالي مُضطرب يسعى إلى مراعاة متطلبات صندوق النقد الدولي، الذي يحظّر التوظيف في القطاع العام في المرحلة الحالية (إذ يتفاوض لبنان مع الصندوق للتوصل إلى توقيع اتفاق نهائي معه).

فإن تفرّغ 1,690 أستاذًا في الجامعة يعني ارتفاعًا دائمًا في كتلة الأجور في القطاع العام، فيما يركّز صندوق النقد والجهات المانحة على ضبط التوظيف في القطاع العام وإصلاح الإدارة قبل التوسع في التفرّغ.

وعليه، تبدو الحكومة أمام قرار صعب، بعد أن تم حشو ملف التفرّغ بنحو 400 أستاذ إضافي، لا تنطبق عليهم تلك الشروط (كما يجزم المطّلعون لـ«بيروت 2030»)، بذريعة مراعاة التوزيع الطائفي، بعدما كان العدد الأساسي الذي رفعته وزارة التربية، وفق شروط الشهادات وساعات التدريس، 1,282 أستاذًا.

خليل: متى سيُبتّ في هذا الملف؟ نريد جوابًا

ماذا يطالب الأساتذة؟ الجواب هو إقرار الملف فورًا في مجلس الوزراء وإنصافهم بعد سنوات من انتظار تثبيتهم، لحماية الجامعة من الانهيار الأكاديمي. إذ يشرح الأستاذ المتعاقد الدكتور روني خليل لـ«بيروت 2030» أن “ملف الأساتذة المتعاقدين أُقرّ في شباط الماضي، وتمّ الاتفاق في مجلس الوزراء على تقسيمه إلى أربع دفعات، كل دفعة تضم 400 اسم، وهذا يوقع مظلومية على الأساتذة المتعاقدين، إذ إن الدفعة الثالثة أو الرابعة قد يكون موعد إقرارها في العام 2030. ومع ذلك، تمّ القبول بهذا التقسيم والاتفاق على التوازن الطائفي للمتفرغين”.

ويلفت إلى أنه “بسبب الحرب جُمّد الملف، وربما تتخذها الحكومة حجة، في الوقت الذي تُقرّ فيه توظيفات في أمن الدولة وقوى الأمن الداخلي. لذلك يصحّ السؤال: لماذا تم تجميد هذا الملف، علمًا أنه لا يرتّب على الدولة أي تبعات فورية؟”.

ويشرح خليل أن “الدفعة الأولى من تثبيت المتعاقدين ستكون في أيلول 2026، وأن دخول المتعاقدين إلى الملاك لن يرتّب على الدولة أي أعباء مالية في الوقت الحالي. كما أن الملف حيوي ومهم لاستمرارية الجامعة، لأن الأساتذة منذ العام 2014 من دون تثبيت، ومن حقهم معرفة مصيرهم، طالما أنهم يقومون بواجباتهم كما يلزم، ولا يستطيعون الاستمرار من دون تغطية صحية أو بدل نقل”.

يضيف: “لا نزال على الوعود بزيادة أجر الساعة، ولا نزال نتقاضى 25 دولارًا عن كل ساعة تدريس. هذا الملف المفتوح منذ سنوات هو حاجة أساسية لاستمرارية الجامعة وحاجة وطنية تشمل كل فئات المجتمع، والبتّ فيه ضرورة لأنه يؤمّن استقرارًا نفسيًا ومعنويًا”، جازمًا “أن الأساتذة، في هذه الأوضاع، يشعرون بأنهم عُزّل، وليس لديهم أي إمكانيات للصمود أو الاستمرارية. وهذه حال جميع المتعاقدين، ولا سيما الأساتذة النازحين، علمًا أن هناك أساتذة استُشهدوا”.

ويختم: “لم نقصّر تجاه الجامعة والطلاب، ونريد جوابًا من المسؤولين، من أعلى الهرم، على هذا السؤال: متى سيتم البتّ بهذا الملف؟”.

الأمين: لا ضوء أخضر من الحكومة للبتّ بملف الأساتذة المتعاقدين

يجيب مستشار وزيرة التربية، الدكتور عدنان الأمين، على السؤال الذي يطرحه الأساتذة المتعاقدون، بالقول: “لا أعرف بالتحديد ما هو توجه الحكومة في هذا الملف، خصوصًا أنها منشغلة في المرحلة الحالية بظروف الحرب والنزوح، علمًا أن الملف كان على جدول أعمال مجلس الوزراء”، مؤكدًا لـ«بيروت 2030» أن “الملف جاهز، لكنه يفرض التزامات مالية على الحكومة، وهي تعاني من ضائقة مالية نتيجة التحديات التي يفرضها ملف النزوح. والوضع الحالي يضع الحكومة في حالة طوارئ حرب، وهذا لا يسمح لها بالبتّ في هذا الملف”.

ويعتبر أن “لا يزال هناك وقت حتى بداية شهر أيلول المقبل، لأن قرار التفرّغ يبدأ في أيلول، وبالتالي فإن التأخير لبعض الوقت لن يغيّر شيئًا. لكن الأساتذة يريدون الاطمئنان إلى وضعهم الوظيفي والمهني، وهذا حقهم. غير أنني لا أعرف، وليس هناك ضوء أخضر من الحكومة لوضع ملف التفرّغ على جدول الأعمال”.

حاج موسى: المشكلة هي الكلفة الكبيرة للتفرّغ

من جهته، يشير مدير كلية العلوم، البروفيسور إيلي حاج موسى، لـ«بيروت 2030»، إلى أن “ملف تفرّغ الأساتذة لا يزال قيد الدرس من قبل رئاسة الجامعة. وبالرغم من وقوع الحرب، تمت متابعة دراسة اللوائح الاسمية، ولكن لا خطوات تنفيذية على مستوى مجلس الوزراء”.

ويضيف: “خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة حصلت تعيينات في الدولة، وأعتقد أن المشكلة، بحسب تقديري، أن كلفة التفرّغ كبيرة على الدولة (400 أستاذ في الدفعة الأولى)، لكن الجواب الأساسي هو عند مجلس الوزراء”.

التفرّغ: تصحيح خلل أم استمرار لارتهان الجامعة للقوى السياسية؟

في ظلّ كل المماطلة والتسويف اللذين يمارسهما أهل السلطة بحق الجامعة اللبنانية وأساتذتها، يصحّ السؤال: هل يساهم التفرّغ في حلّ مشاكل الجامعة كليًا أم جزئيًا؟

من الناحية الإدارية، يعني التفرّغ تحويل الأستاذ من متعاقد (بالساعة) إلى أستاذ متفرّغ يعمل بدوام كامل في الجامعة، مع حقوق وظيفية كاملة، مثل راتب ثابت، وضمان اجتماعي، وتأمين صحي، وتعويضات، ومعاش تقاعدي، إضافة إلى الاستقرار الوظيفي. ويُعدّ البتّ بهذا الملف مهمًا لأن الجامعة اللبنانية تعتمد بشكل كبير على الأساتذة المتعاقدين، إذ يفوق عدد المتعاقدين عدد أساتذة الملاك (الثابتين). وهؤلاء الأساتذة يقومون بالتدريس والأعمال الأكاديمية من دون حقوق كاملة، لذلك يُنظر إلى التفرّغ كتصحيح خلل بنيوي في الجامعة الوطنية.

وتكمن المشكلة الأساسية في توقف التفرّغ منذ سنوات، إذ إن آخر ملف تفرّغ أُقرّ كان سنة 2014. ومنذ ذلك الحين، لم يُقرّ أي تفرّغ جديد، رغم تضاعف عدد الطلاب وتوسّع الاختصاصات.

في المقابل، داخل الجامعة اللبنانية نفسها، هناك رأي يشير لـ«بيروت 2030» إلى أن “التفرّغ، بصيغته الحالية، قد يخفّف المشكلة مؤقتًا لكنه لا يحلّها جذريًا، بل قد يكرّسها. فالمشكلة ليست فقط في عدد الأساتذة. فالتشخيص الشائع يقول إن لدينا عددًا كبيرًا من المتعاقدين ويجب تفريغهم، لكن الواقع أعمق، إذ إن هناك سوء تخطيط في توزيع الاختصاصات، وتضخّمًا في بعض الكليات مقابل نقص في أخرى، إضافة إلى غياب استراتيجية طويلة الأمد للجامعة”.

ويجزم مصدر متابع لـ«بيروت 2030» بأن “المشكلة في الجامعة اللبنانية هي هيكلية وليست فقط وظيفية. فتفريغ أساتذة في اختصاصات غير مطلوبة، أو في كليات متخمة أصلًا (لأسباب التوازن الطائفي والمذهبي)، يعني تثبيت الخلل في الجامعة لسنوات طويلة، لأن التفرّغ دائم تقريبًا. فالتفرّغ غالبًا يُبنى على من هو موجود الآن، وليس على ما تحتاجه الجامعة بعد عشر سنوات، والنتيجة تكون استمرار الفجوة بين سوق العمل والتعليم، وتحول المحاصصة الطائفية والسياسية إلى بنية دائمة داخل الجامعة، ما يقتل المنافسة الأكاديمية، ويؤدي إلى تراجع الإنتاج البحثي لدى البعض بسبب ضعف الحافز للتطوير”.

والسؤال هنا: ما هو الحل الأفضل؟ يجيب المصدر: “تفرّغ مشروط مع تقييم دوري كل ثلاث إلى خمس سنوات، وربط الاستمرار بالإنتاج العلمي، إضافة إلى تخطيط أكاديمي وطني يحدد الاختصاصات المطلوبة فعليًا، ووقف التضخّم في بعض الفروع، والعمل على استقلالية الجامعة من خلال تقليل تدخل السياسة في القرارات الأكاديمية”.

ويختم: “التفرّغ هو حل عادل للأساتذة، لكنه ليس إصلاحًا شاملًا للجامعة، بل قد يتحول إلى حل سريع يثبّت مشاكل عميقة إذا لم يترافق مع إصلاح حقيقي”.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.