تُظهر الكوارث التي أصابت لبنان في السنوات الخمس الأخيرة، بدءًا من انفجار مرفأ بيروت، مرورًا بجائحة كورونا، وصولًا إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2024، وأخيرًا انهيار مبنى مأهول في طرابلس وسقوط ضحايا، أن إنشاء هيئة وطنية واضحة وموحّدة لإدارة الكوارث، تُناط بها كافة مهام الإغاثة، بات ضرورة قصوى، بعيدًا عن الحسابات الضيقة التي تحول دون إدراج اقتراح قانون (خاص بالهيئة)، الموجود في مجلس النواب منذ عام 2000، على جدول أعمال الجلسة العامة وإقراره.
فبالرغم من التعاون القائم حاليًا بين الجهات الفاعلة (أي وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء، والهيئة العليا للإغاثة، والدفاع المدني، والبلديات)، إلا أن إنشاء هذه الهيئة يبقى أمرًا ضروريًا لتفادي تضارب المهام وتداخل الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح. وهذا تحديدًا ما نعاني منه اليوم، كي لا نكون في بلد تتعدد فيه الهيئات وتقلّ فيه الإنجازات، علمًا أن الإنجاز الأكبر هو تفادي الكارثة قبل وقوعها، والتعامل معها بفعالية عند حصولها.
منيمنة: إنشاء الهيئة أمر أساسي يجب إنجازه، خصوصًا أننا بلد مُعرّض لزلازل وحروب
تجدر الإشارة إلى أن سبب عدم إقرار قانون الهيئة في المجلس النيابي حتى الآن يعود إلى المادة الثامنة منه، التي تجعل من هيئة إدارة الكوارث الهيئة الرسمية الوحيدة المعتمدة لكافة أعمال الكوارث والإنقاذ، وتُلغي سائر اللجان والهيئات والمديريات التي أُنشئت سابقًا لهذا الهدف، ولا سيما الهيئة العليا للإغاثة والمديرية العامة للدفاع المدني، وتنتقل إلى الهيئة جميع مهامهما وأعمالهما وموجوداتهما العينية والمالية والبشرية. وتُعتبر هذه الهيئات والمديريات ملغاة فور صدور المراسيم التنظيمية لأحكام هذا القانون.
ما يعني أن أساس المشكلة يكمن في الحرص على مكتسبات الطوائف في توزيع مناصب الإدارات العامة، ولو جاء ذلك على حساب المواطن اللبناني ومصيره.
ويشرح النائب إبراهيم منيمنة (عضو اللجنة الفرعية المكلّفة درس اقتراح القانون الرامي إلى إنشاء هيئة لإدارة الكوارث) لـ«بيروت 2030» أن «اقتراح قانون هيئة إدارة الكوارث كان في اللجان المشتركة، ثم تألّفت لجنة فرعية لدراسته برئاسة النائب سجيع عطية، وانعقدت جلستان حول هذا الموضوع بحضور كل الأجهزة المعنية، وحصل تقدّم في دراسته، ثم توقفت الاجتماعات»، مشددًا على أن «أهمية إنشاء الهيئة تكمن في جمعها كل الأجهزة المعنية في حالات الطوارئ، ولم يتم التقدّم بهذا الملف، لكن إنشاء الهيئة أمر أساسي يجب إنجازه، خصوصًا أننا بلد مُعرّض لزلازل وحروب».
وحول ما إذا كان سبب عدم الإقرار هو تجنّب إلغاء هيئات وأجهزة، يقول: «هناك توزيع أدوار، ولم تُعرف حتى الآن صلاحيات الهيئة المُزمع إنشاؤها، لأن صلاحيات الهيئة العليا للإغاثة يمكن أن تكون امتدادًا أو استكمالًا لصلاحيات الهيئة بعد وقوع الكارثة. ولذلك، يجب دراسة وتحديد صلاحيات كل جهاز وإدارة وهيئة، وبعدها يمكن دراسة دمج أو إلغاء أي إدارة أو جهاز يتعلّق بإدارة الكوارث». ويختم قائلًا: «أعتقد أنه على بُعد ثلاثة أشهر من الانتخابات، من الصعب إقرار الهيئة في هذه الفترة الزمنية».
من المهم التذكير بأن محاولات إنشاء «هيئة لإدارة الكوارث» قديمة جدًا، إذ بدأت باقتراح قانون قدّمه النائب الراحل بيار الجميل، طوّره لاحقًا رئيس لجنة الأشغال محمد قباني، ووصل إلى اللجان النيابية، وإذ ارتأى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بما أن هناك في اللجان المشتركة تقريرًا منجزًا ونهائيًا، «العودة إلى دراسة كل هذه القوانين، وكذلك تقرير اللجنة الفرعية الذي مرّ عليه الزمن»، تم تشكيل لجنة فرعية برئاسة رئيس لجنة الأشغال العامة النائب سجيع عطية، لدراسة جميع هذه القوانين وإصدار توصية جديدة، وأُعطيت هذه اللجنة مهلة ثلاثة أشهر، ولم يصدر عنها حتى الآن أي شيء.
وكانت آخر المحاولات النيابية لدراسة وإقرار اقتراح قانون إنشاء هيئة لإدارة الكوارث خلال جلسة اللجان المشتركة المنعقدة في 11 حزيران 2024، التي أحالته إلى اللجان الفرعية. وخلص الاجتماع إلى أن هذا الاقتراح كان موضع نقاش طويل في لجنة الصحة، وأن عددًا من الكتل قدّم قوانين مشابهة.
آلية الحكومة للتعامل مع الكوارث… لجان وإدارات ووزارات!
أمام هذا التسويف التشريعي، ماذا يحصل على أرض الواقع؟
لسوء الحظ، لطالما كان لبنان عُرضةً للكوارث الأمنية والطبيعية، وقد أثبتت الحكومات المتعاقبة معاناتها من تحديات كبيرة في إدارة هذه الكوارث أو التخطيط المسبق لها. حاليًا، يتم التعامل مع الكوارث من خلال وحدة إدارة مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء، التي تمّ إنشاؤها عام 2010، وذلك بالشراكة بين الحكومة اللبنانية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتُعدّ هذه الوحدة الجهة الوطنية المعنية بكافة مراحل الحد من مخاطر الكوارث، من الوقاية والاستعداد إلى الاستجابة والتعافي من الكوارث، وذلك إلى جانب «الهيئة العليا للإغاثة».
يشرح مصدر متابع لـ«بيروت 2030» أن «وحدة الحدّ من مخاطر الكوارث لدى رئاسة مجلس الوزراء أنشأت اللجنة الوطنية لإدارة الكوارث والأزمات عام 2023، التي يرأسها الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع، ويتمثّل فيها أكثر من 46 إدارة وجهازًا أمنيًا. وتُفعَّل هذه اللجنة في ثلاثة احتمالات: إما بطلب مباشر من رئيس الحكومة، أو بطلب من رئيسها وهو الأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع، أو بطلب من وحدة إدارة الكوارث. وتُفعَّل اللجنة عند الحاجة، وقد جرى تفعيلها خلال العدوان الإسرائيلي، وكذلك بعد سقوط مبنى طرابلس. كما تم إنشاء غرف عمليات في ثماني محافظات وفي عشر وزارات، وتم تدريب هذه اللجان على مستوى المحافظات والوزارات على آلية إدارة الكوارث والأزمات، والتنسيق والتواصل».
ويوضح المصدر أن «وحدة إدارة الكوارث التابعة لرئاسة مجلس الوزراء لها ثلاثة أدوار أساسية: الأول يتعلق بجمع المعلومات وتحليلها وإنشاء قاعدة بيانات خاصة بها، وهي وحدة استشارية لرئيس الحكومة. أما المهمة الثالثة فهي التنسيق بين الأجهزة والوزارات، وليس لديها ذراع تنفيذي أو مهام ميدانية على الأرض، إذ إن هذه المهام من اختصاص الهيئة العليا للإغاثة أو مجلس الجنوب أو مجلس الإنماء والإعمار، بحسب توصيف الكارثة». ويشدّد على أن «ملف الأبنية المتصدعة كان موضع متابعة من الرئيس نواف سلام قبل وقوع حادثة طرابلس، وبالتنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة، وبعد وقوعها تم اتخاذ توصيات بالتعاون مع نقابة المهندسين وبلدية طرابلس».
إلى جانب الدور الاستشاري للوحدة تجاه الحكومة، هناك ذراع تنفيذي تتكل عليه الدولة عند وقوع الكوارث، وهو الهيئة العليا للإغاثة التي أُنشئت عام 1976، وتتولى عدة مهام، من بينها قبول الهبات (مواد غذائية وحياتية) المقدمة إلى الدولة اللبنانية لإغاثة المتضررين، وما يحيله إليها مجلس الوزراء من مواد أخرى، إضافة إلى قبول الهبات على اختلاف أنواعها المقدمة إلى الدولة اللبنانية من الدول والهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية، والجهات المحلية، والأشخاص المعنويين والطبيعيين، لإغاثة المتضررين.
وفي عام 1993، تم تعديل تأليف الهيئة العليا للإغاثة بحيث يصبح رئيس مجلس الوزراء رئيسًا لها، ونائب رئيس مجلس الوزراء نائبًا للرئيس، وتضم في عضويتها عددًا من الوزراء، من بينهم وزير الدفاع الوطني، ووزير الصحة العامة، ووزير الشؤون الاجتماعية، ووزير الداخلية، ووزير الأشغال العامة. وفي ما يخص موازنة الهيئة والاعتمادات المرصودة لها في الموازنة العامة، يتضح، بحسب أرقام معهد باسل فليحان المالي، أن موازنة الهيئة العليا للإغاثة ارتفعت من 47,641,000,000 ليرة لبنانية في موازنة عام 2024، إلى 62,151,152,000 ليرة لبنانية في مشروع موازنة عام 2025.
ياسين: إنشاء هيئة إدارة الكوارث يعني وجود جهاز متحكّم لديه فريق عمل
بناءً على كل ما تقدّم، على من تقع مسؤولية تدارك انهيار الأبنية في طرابلس وغيرها من المناطق، وإغاثة المتضررين بعد وقوع الكارثة، في ظل كون هذا الملف هو الأكثر سخونة حاليًا؟
يجيب الوزير السابق ناصر ياسين (الذي تولّى مهمة التنسيق في لجنة الطوارئ الوزارية التي أُنشئت خلال العدوان الإسرائيلي الأخير)، فيقول لـ«بيروت 2030»: «إذا أخذنا ما حصل في طرابلس كنموذج، فهناك ثلاثة مستويات في ملف الأبنية المتصدعة يجب التعامل معها. المستوى الأول يتعلق بالترميم والتأهيل، أي الشق الهندسي المرتبط بسلامة المباني المتصدعة، والتي تُقدَّر بالمئات. علمًا أن أسباب الوصول إلى هذه الحالة من التصدّع متعددة، منها مخالفات في البناء ارتُكبت خلال فترة الحرب، أو رشاوى خلال مواسم الانتخابات لجهة عدم التقيد بالمواصفات. وتقع هذه المسؤولية على عاتق البلديات واتحادات البلديات ونقابة المهندسين والتنظيم المدني. علمًا أن تطبيق هذه المسؤولية ليس بالأمر السهل في بلديات تعاني من عجز مالي، ولا تملك فرقًا هندسية، وبات لديها تراكم هائل من المشاكل، وهنا يبرز دور الحكومة المركزية في تدعيم المباني المهددة بالسقوط».
يشدّد ياسين على أن «شقّ الترميم والتأهيل يجب أن تدعمه الحكومة المركزية (الهيئة العليا للإغاثة والوزارات، ولا سيما وزارة الداخلية)، لأن أصحاب هذه المباني لا يملكون القدرة المادية على تدعيم منازلهم. أمّا المستوى الثالث، فهو الإغاثة من خلال تأمين مساكن بديلة، وهنا تكمن المشكلة الكبيرة، إذ إن البلديات لا تملك القدرة على تأمين البديل، وهنا يأتي دور الهيئة العليا للإغاثة ووزارة الشؤون الاجتماعية لدعم أصحاب هذه المباني، الذين لا يتجاوز عددهم 500 عائلة، ويجب تأمين الإيواء اللازم لهم»، جازمًا بأن «الدعم ممكن لأن عددهم قليل مقارنة بعدد النازحين من الجنوب بعد العدوان الإسرائيلي، حيث يبلغ عددهم نحو 120 ألف عائلة نازحة، تم تأمين إيواء لهم من قبل الأحزاب في المنطقة، حيث أن هناك عشرات العائلات في طرابلس تحتاج إلى تأمين إيواء، من خلال صندوق دعم أو لجنة طوارئ أو خطة معيّنة عبر الهيئة العليا للإغاثة أو وزارة الشؤون الاجتماعية، لأن هؤلاء الناس فقراء، ولولا وضعهم الاجتماعي الصعب لما قبلوا العيش في مبانٍ آيلة للسقوط».
ويعتبر أن «التحرّك الذي حصل للإنقاذ من قبل فرق الدفاع المدني يستحق الشكر، لأنهم عملوا بأقصى طاقاتهم، لكن في ملف الكوارث تنقصنا الإدارة المركزية والفروع اللامركزية لهذه الإدارة، لتنسيق عملية إدارة الكوارث. هذا الأمر غير موجود في لبنان، ففي العدوان الإسرائيلي عام 2024 تمّ تشكيل لجنة طوارئ لسدّ غياب هذه الإدارة وملء هذه الفجوة القائمة، لأن لبنان لا يمتلك هيئة لإدارة الكوارث».
ويرى ياسين أن «الحكومة الحالية لديها شهية لتشكيل هيئات ناظمة للقطاعات، ولذلك عليها أن تُكمل هذا المسار بتعيين هيئة لإدارة الكوارث. فالقانون موجود في مجلس النواب، ويمكن استرداده وتعديله. وعندما يتم إنشاء الهيئة، فهذا يعني وجود جهاز متحكّم يمتلك فريق عمل وآليات تنسيق مع الأطراف المعنية. حاليًا، الأمر مشتّت؛ فهناك وحدة الحدّ من مخاطر الكوارث ومهامها إدارية، وهناك لجنة إدارة الأزمات برئاسة اللواء محمد مصطفى، ويتم التنسيق بينهما تقنيًا وفنيًا، وكذلك التنسيق بين الوزارات المعنية، لكن لا يمكن لأي منهما أن يكون بديلًا عن الهيئة بهيكليتها الإدارية، وموظفيها، وجهازها، وأدوات عملها».
ويختم بالقول: «إن النجاح في التعاطي مع أي كارثة يكون بالاستعداد لها تقنيًا ولوجستيًا وإداريًا. صحيح أن هذا الاحتراس يكلّف الخزينة من الناحية المادية، لكنه يخفّض كثيرًا من كلفة الكارثة عندما تحصل. بمعنى آخر، فإن وجود عناصر وأجهزة وأماكن متأهّبة ومستعدّة للتعامل مع أي كارثة أو حرب، بهدف التخفيف من الأعباء والمشكلات، هو أمر أساسي وموجود في جميع الدول. فالاستثمار في قدراتنا ومعدّاتنا وخبراتنا لمواجهة الكوارث ليس كلفة تذهب هباءً، بل هو ضرورة، تمامًا كما نقوم بشراء بوليصة تأمين صحي لتدارك أي خطر صحي قد نُصاب به على الصعيد الشخصي».
ضومط: مسؤولية السلطات المحلية الإشراف والصيانة للمباني
في الشق التقني، يشرح نقيب المهندسين السابق سمير ضومط لـ«بيروت 2030» تسلسل الأدوار الرقابية التي تحدد المسؤوليات عند وقوع كارثة انهيار مبنى، كما حصل في مبنى طرابلس، فيقول: «من الطبيعي أن تواجه الأبنية مشاكل نتيجة تأثير العوامل الخارجية والهزّات، أو نتيجة خلل في الإنشاءات. وقبل الحكم على أي بناء، علينا التحقق من الشروط التي تنطبق عليه. فالأبنية القديمة يجب أن تُجرى لها صيانة دورية، ولذلك نرى أن بعضها ما زال صامدًا حتى الآن، في حين أن أبنية أخرى لا تُجرى لها الصيانة، فتتعرّض للانهيار فور مواجهتها لأي عوامل خارجية. وهنا يعود الدور إلى السلطات المحلية التي تُشرف على تنفيذ البناء الواقع ضمن نطاقها لأن البلديات تتقاضى رسومًا بلدية من الأبنية بهدف تقديم الحراسة والإشراف والصيانة. واليوم، هناك أنظمة للسلامة العامة من المفترض أن تُنفّذ في الأبنية خلال إنشائها وخلال استعمالها».
ويختم بالقول: «كل بناء يجب أن تكون لديه لجنة بناية، ودور هذه اللجنة متابعة أي خلل وإصلاحه. أمّا إذا حصل زلزال وكان البناء قد تم تشييده قبل عام 2000 (وهو تاريخ إلزام المطوّرين العقاريين بتطبيق إجراءات ومقاييس محددة في البناء لمواجهة خطر الزلازل)، فعندها لا تترتب مسؤولية على السلطات المحلية. وبالمحصّلة، بعد تطبيق كل هذه الإجراءات المطلوبة قانونيًا وإجرائيًا، يمكن عندها تحديد المسؤوليات».

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
