«إنستغرام» والإخفاق في حماية المراهقين

 

تبدو “الضوابط” التي أطلقتها منصة “إنستغرام” هذا الأسبوع أقرب إلى موقف استعراضي فارغ بعد سلسلة من الوعود السابقة التي لم تجد طريقها إلى التحقق.

منذ أشهر، تكافح “إنستغرام” لإقناع الأهالي والناشطين والمسؤولين بأنها بيئة آمنة للأطفال والمراهقين، رغم وفرة الأدلة التي تُثبت العكس تماماً. واليوم، تطرح الشركة مجموعة جديدة من إجراءات الحماية يُفترض أن تضمن سلامة المراهقين على منصتها. لكن بالنظر إلى سجلها السابق، لا يبدو أن هناك ما يدعو الأهل إلى الاطمئنان بعد.

ابتداءً من هذا الأسبوع، سيتم تلقائياً إدراج جميع المستخدمين دون سن الثامنة عشرة في فئة “13+”، بحيث تُقيَّد المواد المعروضة في صفحاتهم لتتوافق مع معايير تصنيف الأفلام الأميركية من فئة “PG-13”.

غير أن إخفاقات الشركة المتكررة في الوفاء بوعودها السابقة تجعل من هذه الخطوة إجراءً شكلياً جديداً، الهدف منه الإيحاء بالتحرك، أكثر من معالجة جوهر المشكلة.

على مدى سنوات، أطلقت منظمات حقوقية تحذيرات متكررة من تعرُّض القاصرين عبر المنصة إلى محتويات وأشخاص لا ينبغي لهم الوصول إليها/م، بينما تحقّق الشركة الأم “ميتا” عائدات تفوق 100 مليار دولار سنوياً. وتشير تقديرات “ميتا” نفسها إلى أن نحو 100 ألف طفل ممّن يستخدمون “فيسبوك” و”إنستغرام” يتعرّضون يومياً لأشكال من التحرّش الجنسي الإلكتروني. وليس ذلك بالأمر المفاجئ، إذ أظهرت مراسلات داخلية في الشركة – كُشف عنها ضمن دعوى قضائية رفعها الادعاء العام في ولاية نيو مكسيكو الأميركية – أن الإجراءات المتخذة لمنع استدراج الأطفال عبر المنصة كانت “تتراوح بين الصفر وما لا يُذكر”.

وتتهم الدعوى القضائية شبكات “ميتا” للتواصل الاجتماعي، بما فيها “إنستغرام”، بأنها تحوّلت إلى بيئة جاذبة للمتحرّشين بالأطفال. (في المقابل، تنفي “ميتا” هذه المزاعم وتقول إن القضية “انتقت” معلومات من وثائقها الداخلية).

العام الماضي، أطلقت الشركة أخيراً حسابات إلزامية للمراهقين على “إنستغرام”، مصحوبة بمجموعة أدوات أمان جديدة. لكن بحثاً حديثاً قادته مبلّغة عن مخالفات داخل “ميتا” كشف أن 64% من هذه الأدوات لم تتّسم بالفعالية.

وبيّنت الدراسة أن 47% من المستخدمين المراهقين واجهوا خلال شهر واحد محتوى أو رسائل غير آمنة، فيما تعرّض 37% من الفئة العمرية بين 13 و15 عاماً، أسبوعياً، لشكل واحد على الأقل من هذا المحتوى، من بينها: مواد تتعلق بإيذاء الذات، ومضامين جنسية غير مرغوبة، ومحتوى تمييزي، أو مواد عن الكحول والمخدرات.

يقول آندي بورووز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “مولي روز” البريطانية المعنية بتشديد قوانين الأمان الإلكتروني، والذي شارك في إعداد الدراسة، في تصريح لـ”بي بي سي”: “هذه الإخفاقات تكشف ثقافة مؤسسية في “ميتا” تُقدّم التفاعل والربح على حساب السلامة”.

لكن متحدثاً باسم الشركة ردّ قائلاً إن الدراسة “تُسيء مراراً عرض جهودنا لتمكين الأهل وحماية المراهقين، وتقدّم صورة خاطئة عن كيفية عمل أدوات الأمان وكيفية استخدامها من قِبَل ملايين الأهل والمراهقين”.

تأتي الإجراءات الجديدة بعد تعرُّض صورة “ميتا” العامة لمحطة مفصلية: ففي كانون الثاني/يناير 2024، استُدعي رؤساء أكبر شركات التواصل الاجتماعي إلى الكونغرس الأميركي لمساءلتهم بشأن سياسات الأمان لديهم، حيث قدّم مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ”ميتا”، اعتذاراً علنياً أمام مجموعة من الأهالي الذين قالوا إن أبناءهم تضرّروا من الوسائل تلك.

ومع ذلك، بعد مرور سنوات من التجارب الفاشلة، لا يزال “إنستغرام” يختار طريق السماح بتعرُّض الأطفال للأذى ثم الاعتذار بعد فوات الأوان. فبحسب تقرير لـ”رويترز” صدر الاثنين الماضي، أظهرت أبحاث داخلية لدى الشركة أن المراهقين الذين قالوا إن المنصة تجعلهم يشعرون بالسوء تجاه أجسادهم، تعرّضوا لمحتوى مرتبط باضطرابات الأكل بمعدل ثلاثة أضعاف مقارنة بغيرهم.

أما ما يزيد خطورة الوضع، فهو كون شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي قد أصبحت متغلغلة بعمق في تفاصيل الحياة اليومية. ذلك إلى درجة بات من شبه المستحيل المشاركة المجتمعية، خصوصاً بالنسبة للأطفال، من دون التعامل معها.

أما الحل، فيبدأ بإعادة التفكير في الفضاء الإلكتروني باعتباره امتداداً للعالم الواقعي، لا مجرد نسخة رقمية عنه. فوسائل التواصل لا تنقل عنف الواقع فحسب، بل تُستخدم أيضاً كوسيلة لتغذية أشكال أخرى من الأذى الفعلي. هذا بينما يظل الأطفال الفئة الأكثر هشاشة في مواجهة هذا الخطر.

يشكّل إلزام المشرّعين لشركات التكنولوجيا بدمج تدابير الحماية ضمن بنية المنصات نفسها، لا كإضافة لاحقة، خطوة أساسية، لكنها غير كافية ما لم يتولَّ الأهل أيضاً تثقيف أبنائهم حول الأمان الرقمي كما تعليمهم قواعد السلامة في الحياة اليومية.

فالحقائق واضحة: هذه الشركات الجشعة لن تختفي، والتقنيات التي تطوّرها وتستغلها – وغالباً تُسيء استخدامها – باقية. وإذا لم نعد نستطيع الوثوق بها لحماية المستخدمين الأكثر ضعفاً، فعلى المجتمع أن يضطلع بهذه المسؤولية بنفسه.

 

 

عن صحيفة “الغارديان” (نُشرت يوم 21 تشرين الأول/أكتوبر 2025)

بقلم: تايو بيرو

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.