خلف الأبواب المغلقة: جهود دولية للوصول إلى تسوية سرية للصراع الروسي الأوكراني

السؤال المطروح هنا يعكس تعقيدًا في السياسة الدولية في سياق الحرب الروسية–الأوكرانية والصراعات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. وبناءً على المتابعة والتحليل، يمكن تلخيص الوضع كما يلي:

فيما يتعلق بالجهود الدبلوماسية لتسوية النزاع بين روسيا وأوكرانيا، هناك بالفعل مؤشرات على إمكانية وجود حوار غير مُعلن بين الولايات المتحدة وروسيا. وقد تتضمن هذه الجهود مزيجًا من الضغوط العسكرية والدبلوماسية يهدف إلى إيجاد تسوية دائمة تحترم مصالح الأطراف المعنيّة. وتشير تقارير إلى أن الضغوط على أوكرانيا قد تشمل التهديد بعدم توفير المزيد من الدعم العسكري الثقيل، في محاولة لفرض تسوية سياسية عبر عدّة سيناريوهات محتملة:

1- الضغط على أوكرانيا: قد تضغط الولايات المتحدة على أوكرانيا من خلال منعها من الحصول على الأسلحة المتطورة، مما قد يُجبرها على قبول حلٍّ وسط قد يكون بعيدًا عن طموحاتها العسكرية. وقد تكون الدول الأوروبية شريكًا في هذا الضغط، إذ يمكن للاتفاقيات الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا أن تؤدي إلى إعادة نشر القوات الأمريكية في أوروبا كجزء من التوازن العسكري في مواجهة روسيا.

2- الضغط الداخلي في الولايات المتحدة (ترامب ضد الديمقراطيين): قد يسعى ترامب إلى تحقيق تسوية سريعة مع روسيا كجزء من إستراتيجية إعادة بناء علاقاته الدولية، وقد يُركّز على الانسحاب التدريجي من دعم أوكرانيا لضمان استقرارها من دون التصعيد العسكري.

أمّا الديمقراطيون، من جانبهم، فقد لا يوافقون على هذه التسوية السريعة، خاصة مع تصاعد الضغوط الداخلية بسبب التحقيقات حول قضايا فساد تتعلق ببعض أوساط ترامب، الأمر الذي قد يضعف موقفه أمام المعارضة داخل الحزب الجمهوري، حيث يتزايد تأثير خصومه في الداخل.

من سيربح في النهاية؟

من الصعب التنبؤ بمن سيكون «المنتصر» في هذه المعركة السياسية، إذ إنّ السياسة الأمريكية تتسم بالصراع المستمر بين القوى السياسية الداخلية. ولكن مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد الضغوط على كلٍّ من روسيا وأوكرانيا، قد تكون إدارة ترامب مضطرة للتنازل أو التعامل مع حقائق جديدة قد تجعل من التسوية مع روسيا أمرًا أكثر إلحاحًا.

في النهاية، ستكون المفاوضات مع روسيا مدفوعة بميزان القوى على الأرض، وبالضغط الأمريكي والأوروبي على أوكرانيا. لكن الجهود المبذولة في الولايات المتحدة – سواء من جانب ترامب أو الديمقراطيين – قد تبقى محكومة بالتطورات السياسية المحليّة في واشنطن، بما في ذلك فضائح التحقيقات الحالية.

أشار موقع «أكسيوس» في 19 كانون الثاني 2025، نقلًا عن مسؤول أمريكي مطّلع على الوضع، إلى أنّ خطة جديدة لتسوية النزاع في أوكرانيا تعمل الولايات المتحدة على تطويرها، تتضمن الاعتراف بشبه جزيرة القرم ودونباس كأراضٍ روسية. وتُظهر التقارير الأخيرة أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة للاعتراف بشبه جزيرة القرم ودونباس كأراضٍ روسية في سياق خطة لتسوية النزاع في أوكرانيا. وإن هذه الخطة المثيرة للجدل تعكس تحولًا كبيرًا في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة الأوكرانية، وقد تُحدث تأثيرًا عميقًا على مستقبل العلاقات بين واشنطن وكييف، بالإضافة إلى ديناميكيات الحرب الروسية–الأوكرانية.

النقاط الرئيسية التي تظهر من التقارير:

  • الاعتراف بالقرم ودونباس كأراضٍ روسية: بموجب هذه الخطة، يبدو أن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتزمون الاعتراف بشبه جزيرة القرم ودونباس كجزء من الأراضي الروسية. هذا الاعتراف سيكون بمثابة تنازل كبير بالنسبة لأوكرانيا، ويُعدّ اعترافًا عمليًا بالاستيلاء الروسي على هذه المناطق منذ عام 2014 (القرم) و2014–2022 (دونباس).
  • التركيز على ضمانات أمنية لأوكرانيا: في مقابل هذا الاعتراف، ستقدّم الولايات المتحدة ضمانات أمنية لأوكرانيا، على الأرجح في شكل دعم دفاعي وتعاون عسكري مع الحلفاء الغربيين، بما في ذلك نشر قوات أمريكية أو قوات من حلف شمال الأطلسي في المنطقة لضمان عدم تعرّض أوكرانيا لهجوم روسي جديد.
  • الانسحاب الأوكراني من دونباس: ستُطلب من أوكرانيا سحب قواتها من منطقة دونباس، على الرغم من استمرار السيطرة الروسية على هذه المناطق، وسيتم تحديد المنطقة كمنطقة منزوعة السلاح. وقد يُعدّ ذلك خطوة كبيرة نحو تثبيت الواقع على الأرض لصالح روسيا.
  • القيود على الجيش الأوكراني: تشير الخطة إلى فرض قيود على حجم الجيش الأوكراني وقدراته الدفاعية، بما في ذلك تحديد أنواع الأسلحة بعيدة المدى، وهي خطوة من شأنها أن تُقيد قدرة أوكرانيا على ردع أي تهديدات روسية مستقبلية.
  • ردّ فعل أوكرانيا: وفقًا للتقارير، تعتبر الحكومة الأوكرانية أن هذه الخطة غير مقبولة دون إدخال تعديلات جوهرية. وهناك انزعاج كبير من فكرة الاعتراف بالأراضي التي تسيطر عليها روسيا كجزء من اتفاق دولي رسمي، ما قد يُعرّض سيادة أوكرانيا للخطر.
  • الموافقة المحتملة من قبل واشنطن: يرى المسؤولون في الإدارة الأمريكية أن هذه الصفقة تمثّل خطوة عملية لتجنب المزيد من التصعيد في الصراع، معتقدين أن أوكرانيا ستخسر هذه الأراضي على أي حال إذا استمر القتال. لذلك، تهدف الخطة إلى تجنب المزيد من الخسائر البشرية والمادية في المنطقة.

أما التأثيرات المحتملة على الجهات المعنيّة:

  • على أوكرانيا: من المرجّح أن يؤدي الاعتراف بالقرم ودونباس كجزء من روسيا إلى أزمة سياسية داخلية في أوكرانيا، وقد يتسبب ذلك في تآكل الدعم الشعبي للحكومة، خاصة في مناطق غرب أوكرانيا التي ترفض التنازل عن أي جزء من الأراضي.
  • على العلاقات الأمريكية–الأوكرانية: إذا اتخذت الولايات المتحدة هذه الخطوات لتسوية الصراع مع روسيا، فقد يؤدي ذلك إلى تقليص الدعم العسكري لأوكرانيا، مما يعمّق الهوّة بين واشنطن وكييف.
  • على روسيا: من الناحية الروسية، ستُعتبر هذه الخطة انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا، لأنها تعترف بالأراضي التي تسيطر عليها بالفعل. وقد تعزز هذه التنازلات مكانة بوتين داخليًا، وتساعده في تقليل الضغوط الدولية.
  • على الاتحاد الأوروبي وحلفاء أمريكا: قد تُثير هذه الخطة غضبًا في أوروبا، حيث ترى العديد من الدول الأوروبية أن السيطرة الروسية على الأراضي الأوكرانية لا ينبغي الاعتراف بها تحت أي ظرف من الظروف.

إن هذه الخطة تمثّل تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة الأوكرانية، وقد تُفضي إلى حل طويل الأمد للصراع، لكنها قد تثير أيضًا أزمة جديدة داخل أوكرانيا وبين حلفائها. وقد تدخل العلاقات الأمريكية–الأوكرانية مرحلة جديدة، حيث ستكون أوكرانيا مضطرة لقبول تسوية قد لا تكون مُرضية بالكامل. وإذا تمت الموافقة على هذه الخطة، فإنها ستُغيّر بشكل كبير المعادلة في شرق أوروبا، وقد تؤدي إلى توازنات جديدة في النظام الأمني الدولي.

الخطة الأمريكية الجديدة لتسوية النزاع في أوكرانيا تمثّل تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة الأوكرانية، ويمكن أن تكون نقطة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية في المنطقة. إن هذه الخطة، التي تتضمّن الاعتراف بشبه جزيرة القرم ودونباس كأراضٍ روسية، قد تؤدي إلى حل طويل الأمد للصراع، لكنها أيضًا قد تثير أزمات جديدة على عدّة مستويات، سواء داخل أوكرانيا، أو في علاقات واشنطن مع حلفائها الأوروبيين.

إذا تم تنفيذ هذه الخطة، فإنها ستُحدث تغييرات جذرية في المشهد السياسي والعسكري في أوروبا الشرقية، وقد تُغيّر بشكل كبير المعادلة الاستراتيجية في المنطقة. بدايةً، من الممكن أن تضع هذه التسوية حدًّا للصراع العسكري الدائر منذ سنوات بين روسيا وأوكرانيا، وأن تساعد في الحدّ من الخسائر البشرية والمادية التي تكبّدها الطرفان. لكن في الوقت نفسه، ستكون هذه التسوية بمثابة انتصار دبلوماسي ضخم لروسيا، خاصة أن الاعتراف بسيطرتها على القرم ودونباس سيُعدّ اعترافًا عالميًا بشرعية ضمّ هذه الأراضي من قبل الكرملين. وسيعزز هذا الاعتراف موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين داخليًا، على صعيد السياسة الداخلية، كما سيُحسّن من مكانته في أعين الشعب الروسي الذي يعتبر القرم جزءًا أساسيًا من «الوطن الأم».

على الجانب الأوكراني، قد تكون هذه الخطة بمثابة ضربة قاصمة لسيادة أوكرانيا وأمنها القومي. وفي حال تم القبول بتنازلات تتعلق بالأراضي التي استولت عليها روسيا، فمن المتوقع أن يثير ذلك غضبًا شعبيًا داخليًا، خصوصًا في المناطق الغربية التي تعتبر هذه الأراضي جزءًا لا يتجزأ من الوطن. وستكون هذه الخطوة غير مقبولة بالنسبة إلى العديد من الأوكرانيين الذين يرون فيها انكسارًا لروح المقاومة الوطنية التي صمدت في وجه روسيا منذ عام 2014. بالإضافة إلى ذلك، قد يفتح هذا الاعتراف الباب أمام تآكل الثقة بين الحكومة الأوكرانية والشعب، ما قد يؤدي إلى تصاعد الاستقطاب الداخلي.

على الصعيد الدولي، قد تُثير هذه الخطة قلقًا كبيرًا لدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الذين قد يرون في الاعتراف بالأراضي الروسية سابقة خطيرة قد تفتح المجال لتهديدات أخرى. وفي الوقت الذي تسعى فيه أوروبا إلى الحفاظ على استقرارها وأمنها، قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها تنازل غير مقبول، خصوصًا في ظل استمرار النزاعات مع روسيا. ومن المحتمل أن تؤدي هذه التسوية إلى تداعيات سلبية على العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، التي قد تشعر بأنها تم استبعادها من المفاوضات الرئيسية، أو أن مصالحها قد تم التضحية بها لصالح المصالح الأمريكية.

ومن جهة أخرى، قد تضع هذه الخطة ضغوطًا إضافية على العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد يُعتبر الموقف الأمريكي تراجعًا عن الالتزامات الدفاعية تجاه دول أوروبا الشرقية، مما يثير الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة بالأمن الأوروبي على المدى الطويل.

في النهاية، تُعدّ هذه الخطة خطوة استراتيجية تحاول الولايات المتحدة من خلالها إنهاء النزاع المستمر في أوكرانيا، لكن تنفيذها قد يتطلّب من الأطراف المعنية تقديم تنازلات كبيرة قد تؤثر على سيادة الدول المعنية وعلى الأمن الإقليمي والدولي. وقد يكون لهذه التسوية آثار بعيدة المدى على العلاقات بين القوى الكبرى، وعلى الأمن الأوروبي، كما قد تثير تساؤلات حول شرعية السياسات الإقليمية للدول ذات الطموحات الكبرى مثل روسيا. وفي حال تمت الموافقة على هذه الخطة، فلن تكون نهاية للنزاع فحسب، بل بداية لتحديات جديدة قد تظهر في السنوات المقبلة، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو حتى الاجتماعي داخل الدول المعنية.

مقالات الكاتب

د. خالد العزي

كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.