كيف ننقذ «حديقة الخليج من الحريق»؟

السؤال الكبير الذي بقي معلّقًا في الهواء، باحثًا عبثًا عن إجابة طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، هو: هل يمكن حقًا أن تبقى منطقة الخليج العربي بمنأى عن عواصف وزلازل الوطن العربي وإقليم المشرق المتوسطي؟ وهل يمكن أن تواصل دول الخليج العربية الازدهار والاستقرار والاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، فيما محيطها برمّته، من فلسطين والمشرق العربي إلى الهضبة الإيرانية–التركية، يتلظّى بمختلف أنواع النيران والاضطرابات؟

الكاتب السعودي مشاري الذايدي كان أول من تناول هذه المسألة قبل شهور عدة، حين تساءل عن إمكانية بقاء دول الخليج “حديقة ضمن حريقة”.

بالطبع، فإن هذا التساؤل يقفز فوق وقائع تاريخية كبرى كانت لا تني تهز منطقة الخليج على مدار نصف القرن المنصرم، إذ شهدت هذه المنطقة، منذ العام 1976 وحتى 2026، ثلاث حروب كبرى رئيسية تُعرف عالميًا وتاريخيًا بـ”حروب الخليج الثلاث”، بالإضافة إلى صراعات إقليمية أخرى أثّرت بشكل مباشر على أمن المنطقة:

  1. حرب الخليج الأولى (1980–1988): التي تُعرف أيضًا بالحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت ثماني سنوات، وكانت واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين.
  2. حرب الخليج الثانية (1990–1991): بدأت بغزو العراق للكويت في أغسطس 1990، وانتهت بعملية “عاصفة الصحراء” التي قادها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت في أوائل عام 1991.
  3. حرب الخليج الثالثة (2003–2011): بدأت بالغزو الأميركي للعراق، الذي أدى إلى سقوط نظام صدام حسين، وما تبع ذلك من سنوات من النزاع المسلح وعدم الاستقرار.

كما نشبت نزاعات أخرى بارزة في المحيط الجغرافي مرتبطة بأمن دول الخليج، ومنها:

  1. حرب اليمن (2015–الآن)، التي تدخل فيها تحالف بقيادة السعودية لدعم الحكومة اليمنية ضد جماعة أنصار الله الحوثي.
  2. وقبلها حرب اليمن في حقبة الستينيات بين مصر الناصرية والسعودية.
  3. وثورة ظفار في عُمان، التي انتهت في منتصف السبعينيات (1976 تقريبًا) بدعم إقليمي ودولي للحكومة العُمانية.

لم يكن وضع الخليج، إذًا، يلمع دائمًا بذهب الاستقرار. لكن ما يميّز مرحلة اللاإستقرار الخطيرة الحالية هو تعرّض أراضي دول الخليج العربية لهجمات مباشرة للمرة الأولى، وتصاعد الضغوط الأميركية عليها للانخراط المباشر حتى في الحرب ضد إيران.

كل هذا قد يدشّن مرحلة جديدة في تاريخ دول الخليج، مرحلة قد تزداد قتامة بالنسبة إليها إذا ما قررت الولايات المتحدة (المكتفية ذاتيًا من النفط والغاز) أن أكلاف وجودها العسكري هناك لم تعد مكافئة لمكاسبها الاقتصادية (وربما أيضًا الاستراتيجية)، فتتجه إلى وضع عصاها على كتفها وترحل، وهو خيار لمّحت إليه وثيقة الأمن القومي الأميركية الأخيرة.

وحينها سيكون بطن أمن دول الخليج العربية مفتوحًا أمام كل أنواع المباضع والمخاطر، ما سيفرض عليها البحث الجدي عن نظام إقليمي عربي–إسلامي جديد، ينطلق مجددًا من مقولة الأمن القومي العربي، ويتعامل بجدية مع مقولة الأمن الإقليمي العربي–الإسلامي (مصر/العرب وتركيا وإيران). وهذا وحده قد يكون بمقدوره ضمان أمن واستقرار دول الخليج لاحقًا.

قد يُقال هنا إن دول الخليج ستكون قادرة على الاستعانة بالصين وباكستان وربما بعض أوروبا لتوفير حصانة أمنية بديلة. وهذا صحيح. لكن فرسان النجدة من هذه القوى لا تزال بعيدة، إن لم تكن في علم الغياب.

والخلاصة؟ إنها خلاصتان:

  • الأولى: لا أمن ولا استقرار خليجيين من دون أمن واستقرار عربي–إقليمي، إذ إن “الحريقة”، كما نرى الآن، عادت تلتهم الحديقة مباشرة.
  • والثانية: إن التكامل الإقليمي العربي–الإسلامي (الحضاري والاستراتيجي) هو وحده المنقذ من ضلال الانقلابات الهائلة الراهنة في النظام العالمي، ومن عودة الدول الكبرى إلى صراعات القوى الإمبريالية في القرن التاسع عشر على حساب (ورفات) شعوب نصف الكرة الجنوبي وشعوب العالم الثالث فيه.
مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.