يوم غد، سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، في قمة مرتقبة إلى حدّ كبير، تُعدّ الأولى من بين أربعة لقاءات محتملة خلال العام المقبل. ولا يزال من غير الواضح ما سيكون نطاق النقاش، وما الذي قد يتمخّض عن هذا الاجتماع. غير أنّ هذا بحدّ ذاته أمر إيجابي. فالعالم يكون أكثر أمنًا عندما تكون أكبر قوتين اقتصاديتين وأقوى دولتين في العالم على تواصل مباشر.
لقد تلاشى أي ادّعاء بإمكان حلّ القضايا البنيوية الكبرى الكامنة في صلب أهم علاقة ثنائية في العالم: النموذج الاقتصادي التجاري – الحمائي الصيني، وطموحات بكين في ضمّ تايوان، ودعمها النشط لخصوم الولايات المتحدة مثل إيران وروسيا، فضلًا عن أي نقاش جدي حول حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي. ومن ثمّ، فمن غير المرجّح أن تغيّر هذه القمة طبيعة العلاقة الأميركية – الصينية أو مسارها على المدى الطويل. فالأمر يتعلق بإدارة الاستقرار، لا بحلّ الملفات العالقة.
إن جاذبية هذا النهج البراغماتي، التكتيكي، والتعاملي مفهومة. فقد أثمرت عقود من الطموحات الكبرى، وإن شابها قدر من التفكير الرغبوي، بشأن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الحزب الشيوعي الصيني في ما يتصل بالعناصر الجوهرية لأولوياته الاقتصادية أو الأمنية القومية، نتائج محدودة للغاية. إن امتلاك رؤية واقعية وتوقعات عملية ليس بالضرورة علامة ضعف. غير أن هناك فارقًا بين التشاؤم المحسوب والرضوخ للطمأنينة الزائفة. ففي لحظة ما، سيكون لا بد من معالجة القضايا الأساسية الواقعة في قلب العلاقة الأميركية – الصينية، وإلا فإنها قد تنفجر.
فماذا سيخرج ترامب فعليًا من القمة؟ أولًا، إذا كان الماضي مؤشرًا إلى المستقبل، فمن المرجّح أن نشهد عددًا من الصفقات التجارية. ومن المتوقع أن يعلن الجانب الصيني، أو يعيد تأكيد، التزامات بشراء سلع أميركية، ولا سيما فول الصويا ومنتجات زراعية أخرى، إضافة إلى صفقة يُشاع أنها واسعة النطاق لشراء طائرات ركاب من شركة بوينغ. والواقع أن كثيرًا من هذه الصفقات كان قد تأخر على خلفية الخلافات التجارية وضوابط التصدير التي أعقبت ما سُمّي بـ«يوم التحرير»، وإن كانت اتفاقات شراء جديدة قد تكون مطروحة أيضًا.
وتلمّح هذه الصفقات إلى ما قد يكون النتيجة السياسية الأكثر جوهرية المنبثقة عن القمة: التوجه نحو إنشاء ما يمكن تسميته «مجلسًا للتجارة»، وهي فكرة طرحها لأول مرة الممثل التجاري الأميركي جاميسون غرير بعد محادثات مع مسؤولين صينيين في باريس في آذار الماضي. ويعني ذلك اعتماد استراتيجية للتجارة المُدارة، تُدار عبر هيئة دائمة تحدد ما ينبغي على الصين شراؤه من الولايات المتحدة، وما ينبغي على الولايات المتحدة شراؤه من الصين، بما في ذلك عبر التزامات شراء وخفض للتعريفات الجمركية في القطاعات غير الاستراتيجية، إضافة إلى منتدى لتسوية النزاعات قبل تصعيدها.
وتقوم الفكرة على تحديد ما قيمته نحو 30 مليار دولار من المنتجات الأميركية التي ستستوردها الصين، مقابل كمية مكافئة من واردات السلع الصينية إلى الولايات المتحدة. ولعل أقرب سابقة تاريخية لذلك هي الأهداف التي وُضعت في محادثات الإطار بين اليابان والولايات المتحدة خلال إدارة بيل كلينتون الأولى، والتي جرى التخلي عنها لاحقًا لعدم فعاليتها وصعوبة إدارتها. ومع ذلك، فإن مثل هذا النهج يستدعي نقاشًا حول ماهية التجارة الاستراتيجية وغير الاستراتيجية، بحيث يمكن تطبيق تعريفات منخفضة على الثانية، في مقابل إبقاء التعريفات المرتفعة أو ضوابط التصدير على الأولى. ومن شأن هذا المجلس أن يمثل محاولة للانتقال من التصعيد والتهدئة المتقطعين في التوترات التجارية والتعريفات الجمركية، إلى قناة مؤسسية لإدارة العلاقة التجارية الثنائية.
قد يستطيع «مجلس التجارة» أن يدير العلاقة التجارية الثنائية. لكنه لن يفعل الكثير لمعالجة النموذج الاقتصادي الصيني المختل، الذي وصفه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بأنه «الخطر الأكبر» على الاقتصاد العالمي، وهو نموذج يغمر الآن أسواق الدول الثالثة بمركبات كهربائية مدعومة بكثافة، وفولاذ، وألمنيوم، وألواح شمسية، وبطاريات، بما يؤدي إلى تفريغ القواعد الصناعية الاستراتيجية من برازيليا إلى برلين. وقد بلغ فائض تجارة السلع الصينية نحو 1.2 تريليون دولار في عام 2025، وهو في طريقه إلى تجاوز هذا المستوى مرة أخرى هذا العام.
وإلى جانب الاختلالات الاقتصادية العالمية التي تسببها الصين، هناك عدد من القضايا الحرجة الأخرى التي تستوجب النقاش، من بينها مصير تايوان، حيث قال شي لكوادره إن هذه المسألة يجب أن «تصل إلى حل نهائي، ولا يمكن توريثها من جيل إلى جيل».
يضاف إلى ذلك الملف النووي. فالصين تسابق الزمن لبناء ترسانة متطورة تضم نحو 1500 رأس نووي بحلول عام 2035، في أسرع عملية توسع منذ بدايات الحرب الباردة، وذلك في وقت انتهت فيه في شباط معاهدة «نيو ستارت»، وهي آخر معاهدة قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا للحدّ من الأسلحة النووية. وبعبارة أخرى، فإن الحقبة السابقة من ضبط التسلح ووضع القيود باتت جزءًا من الماضي، من دون وجود أطر بديلة تخلفها.
وثمة سباق مماثل في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لا نملك لا ضبطًا للتسلح، ولا قنوات اتصال لإدارة الأزمات، ولا إجابة عن الممارسة المتكررة المتمثلة في قيام مختبرات صينية باستخلاص نماذج أميركية متقدمة في الذكاء الاصطناعي. وفي الأيام الأخيرة، أرسلت إدارة ترامب إشارات متضاربة حول ما إذا كانت ستسعى إلى استئناف مشاورات الذكاء الاصطناعي التي كان الرئيس السابق جو بايدن قد أطلقها بعد لقائه شي في كاليفورنيا، في تشرين الثاني 2023.
أخيرًا، هناك أنشطة مجموعة الجهات الخبيثة التي يواصل شي دعمها أو التغاضي عنها بدرجات متفاوتة، رغم المخاطر التي تشكلها على الولايات المتحدة والعالم. ففي كوريا الشمالية، بات نظام كيم جونغ أون يتحرك بهامش واسع من الإفلات النسبي، ويختبر أجيالًا جديدة من الأسلحة القادرة على حمل رؤوس نووية بوتيرة مقلقة. وفي أوكرانيا، لا تزال بكين الداعم الخارجي الأهم لاقتصاد الحرب الروسي، إذ تزوّده بالمكوّنات مزدوجة الاستخدام، وأدوات الآلات، والإلكترونيات الدقيقة، في حين تشتري كميات كبيرة من منتجات الطاقة الروسية التي تموّل نزعة بوتين الانتقامية والتوسعية. أما في ما يتعلق بإيران، حيث تملك بكين كل الأسباب للضغط على طهران نظرًا إلى اعتمادها على المنتجات النفطية التي تعبر مضيق هرمز، فلم يُبدِ شي رغبة تُذكر في ممارسة ضغط حاد على النظام الإيراني، مفضلًا ترك الولايات المتحدة تغرق في نزاع شرق أوسطي آخر، في الوقت الذي تبيع فيه شركات صينية صورًا فضائية تُستخدم لاستهداف القوات الأميركية في المنطقة.
قد يجادل المتشائمون بأن هذه القضايا مستعصية، وأن التركيز ينبغي أن ينصبّ على نقاط خلاف أصغر وأكثر قابلية للحل في العلاقة الثنائية. وبالفعل، قد تكون هناك فوائد تكتيكية في خفض منسوب التوتر في العلاقة بين البلدين والحفاظ على الاستقرار. وكما رأينا العام الماضي، فإن تصعيد الولايات المتحدة لتعريفاتها الجمركية دفع الصين إلى تصعيد استخدامها لنقاط الاختناق التي تملكها، مهددةً سلاسل الإمداد العالمية المعتمدة على المغناطيسات المصنّعة في الصين وغيرها من المنتجات المحتوية على معادن حرجة.
والآن، واستعارةً لمثل صيني، فإن الولايات المتحدة «تخفي قدراتها وتنتظر وقتها»، مستخدمةً هذه المرحلة من الانفراج النسبي للاستثمار في المعالجة المحلية، وتنظيم تحالفات مع الدول المتشابهة في التوجه ضمن مبادرة «منتدى الانخراط الجيوستراتيجي في الموارد» (FORGE)، بهدف تقليص اعتمادنا الجماعي على الصين، والاستعداد لليوم الذي نستطيع فيه مواجهة بكين وتحمل تبعات أي ردّ انتقامي محتمل. وفي غضون ذلك، فإن ترك معظم هذه القضايا بلا معالجة ينطوي على خطر أن تتحول واحدة منها، أو أكثر، إلى صراع مستقبلي لا يمكن طمسه أو دفعه إلى ما تحت السجادة.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
