تنبثق بيوت الجنوب من التراب انبثاق السنابل عقب العاصفة، وتأبى السقوط وإن نال الوهن من أسقفها. فما حجارتها إلا مستودعٌ لأرواح أهلها، وما جدرانها إلا صدى لنبض العابرين الذين أودعوا فيها فرحهم، ودعواتهم، وعبير خبزهم الساخن.
لم يكن البيت يوماً مجرد إسمنتٍ وحجرٍ وحديد، بل كان قلباً واسعاً يتّسع للعائلة، وللضحكات التي كانت تتردّد في زواياه، وللأيادي التي تعبت حتى شيّدته حجراً فوق حجر، وحلماً فوق حلم.
صحيح أن الحرب تسرق الأبواب والشبابيك، وتكسر الشجر الذي طالما ظلّل الدروب، وتبعثر الأثاث والصور والذكريات، لكنها تعجز دائماً عن اقتلاع الروح من المكان. فالبيت الذي عرف الحب لا يموت، والبيت الذي حفظ أصوات أمهاتنا ووقع خطوات آبائنا، يبقى حياً حتى لو صار ركاماً.
هناك أشياء لا تستطيع النار أن تحرقها؛ فالكرامة لا تشتعل، والحنين لا يتحول رماداً، والإيمان العميق يبقى راسخاً بأن الأرض تعرف أصحابها، وأن التراب الذي ارتوى بتعب السنين لا يخون أهله.
يمضي المعتدون وهم يظنون أنهم، حين يهدمون بيتاً، يهزمون حكاية، لكنهم لا يفهمون أن الحكايات في الجنوب لا تسكن الجدران فقط، بل تسكن الناس، وتسكن وجوه الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن على الأبواب، وتسكن أعين الأطفال الذين ما زالوا يرسمون البيوت بألوان الفرح رغم الدخان، وتسكن قلوب الرجال الذين يرممون الحياة كلما مرّت عليها الحرب. لذلك، كل حجر يسقط هناك، يولد مكانه ألف وعد بالعودة.
تحمل البيوت الجنوبية ذاكرة لا تشبه أي ذاكرة… ذاكرة المواسم، ورائحة الزيتون، وصوت المؤذن عند الفجر، وضحكات السهرات الطويلة، وصواني القهوة التي كانت تدور بين الأهل والجيران بمحبة وعفوية لا تُشترى. كانت البيوت هناك تشبه أصحابها؛ كانت كريمة، دافئة، ومفتوحة القلب دائماً. لذلك، حين تُصاب هذه البيوت، يشعر الناس أن جزءاً من أرواحهم قد جُرح معها.
لكن الجنوب تعلّم منذ زمن بعيد أن الخراب ليس النهاية، ففي كل مرة كان الركام يتحوّل إلى بداية جديدة، وكانت الأيدي المتعبة تعود لتحمل الحجارة من جديد، لا لتبني بيتاً فقط، بل لتبني معنى البقاء.
هناك، لا يقيس الناس أوطانهم بعدد الجدران السليمة، بل بقدرتهم على النهوض بعد كل سقوط، وعلى تحويل الألم إلى قوة، والخسارة إلى عناد جميل يشبه تراب الأرض نفسها.
تعود الأم إلى بيتها المهدّم وفي قلبها ألف صلاة، لا لتبكيه فقط، بل لتعده بأن الضحكة ستعود إليه. تعده بأن الأطفال سيركضون مجدداً في ساحته، وأن الزغاريد سترتفع بين جدرانه من جديد، وأن موائد الكرم ستُمدّ كما كانت، عامرة بأهلها وأحبابها. فالفرح في الجنوب ليس ترفاً، بل مقاومة أخرى، وإعلاناً دائماً أن الحياة أقوى من الموت، وأن البيت الذي امتلأ يوماً بالمحبة لا يمكن أن يبقى خراباً إلى الأبد.
ويرفع أهل الجنوب رؤوسهم رغم التعب، لأنهم يعرفون أن الكرامة لا تُهدم بالقصف، وأن الإنسان الذي يحمل أرضه في قلبه لا يصبح لاجئاً مهما ابتعد عنها. هم يعودون دائماً، لا لأن الطريق سهلة، بل لأن البيوت تناديهم بأسمائهم، ولأن التراب الذي شهد طفولتهم وصلواتهم وأحلامهم يصبح جزءاً من الروح لا يمكن استبداله أو نسيانه.
ويبقى البيت، حتى وهو جريح، شاهداً على أن هذه الأرض لأهلها، وستبقى لأهلها، وأن الذين يحبّون أوطانهم بصدق لا يتركونها للخراب. فالجدران يمكن أن تُعاد، والأشجار يمكن أن تُزرع من جديد، أما الانتماء فلا يُقتلع، والذاكرة لا يمكن أن تموت.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
