يُعدّ انخراط الولايات المتحدة في مفاوضات عالية المخاطر مع الصين وروسيا وإيران – في الوقت نفسه – وضعًا جيوسياسيًا نادرًا. وببساطة، تتجه الدبلوماسية الأميركية نحو لحظة تصعيد تبلغ فيها ذروتها، بحيث يصبح التوقيت، وتسلسل الخطوات، والإشارات المتبادلة بين ساحات الصراع المختلفة، عوامل مؤثرة في النتائج بقدر أهمية مضمون أي اتفاق منفرد.
يواجه كل طرف قيودًا متميزة ولكنها ضاغطة، تدفعه نحو نقطة تحوّل حاسمة. ونتيجة لذلك، يصبح من المرجّح أن تسعى هذه الدول إلى ترتيبات منفصلة ومجزأة مع البيت الأبيض، تؤمّن مصالحها الآنية، حتى ولو جاء ذلك على حساب الطرفين الآخرين. والأهم من ذلك، أن هذا الواقع يثبت – خلافًا للاعتقاد السائد – أن هذه الدول الثلاث لا تشكّل تكتلًا فعالًا مناهضًا للولايات المتحدة.
في تشرين الثاني الماضي، كنت قد أشرت إلى أن الصين وروسيا وإيران تواجه جميعها قيودًا بنيوية تجعل من التوصل إلى مستوى معين من التفاهم مع الولايات المتحدة أمرًا متزايد الضرورة لتحقيق أهدافها الجيوسياسية الأساسية.
فالصين تعتمد على الوصول إلى الأسواق الأميركية، والتكنولوجيا، والأنظمة المالية الأميركية للحفاظ على نموها، حتى مع بقاء طموحاتها العسكرية في آسيا مقيّدة بفعل تحالفات واشنطن ووجودها العسكري المتقدم.
أما روسيا، فلا تزال تعتمد بصورة كبيرة على تخفيف العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة، وعلى الحدّ من الدعم الخارجي لأوكرانيا، فيما يستمر اقتصادها وموقعها العالمي بالتآكل رغم محاولاتها إعادة التوجّه نحو شركاء بديلين.
بدورها، تواجه إيران الضغوط الأكثر حدّة، إذ تتضافر الهشاشة الاقتصادية، والانتكاسات الإقليمية، والهواجس المرتبطة بأمن النظام، لتجعل من أي تفاهم مع واشنطن ضرورة وجودية.
وبعد ستة أشهر، تجد الدول الثلاث نفسها مضطرة للتفاوض مع إدارة ترامب.
يبدو وضع إيران الأكثر حساسية، خصوصًا في ظل الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن التدهور الاقتصادي في روسيا دفع موسكو إلى التواصل مع واشنطن في محاولة للتوصل إلى تسوية بشأن أوكرانيا قد تمنحها متنفسًا تحتاج إليه بشدة.
أما الصين، فهي بحاجة إلى تفاهم مع الولايات المتحدة لمعالجة اقتصاد يرزح تحت ضغوط متزايدة ناجمة عن الركود المطوّل في قطاع العقارات، والتباطؤ البنيوي في النمو، وارتفاع بطالة الشباب، والأعباء الثقيلة للديون المحلية.
وقد يكون الوضع الروسي الأكثر لفتًا للانتباه. ففي إشارة إلى رغبته في توسيع الانخراط الجيو-اقتصادي، بادر بوتين إلى التواصل مع ترامب، في تحول فرضته الضغوط الاقتصادية المتفاقمة، بما فيها العقوبات المستمرة، ومحدودية الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا العالميين، والأعباء المالية للحرب، وتزايد الاعتماد على مجموعة أضيق من الشركاء الخارجيين. وفي الوقت نفسه، تدرك موسكو أنها تخسر تدريجيًا أوراق ضغطها أمام واشنطن، خصوصًا مع تراجع قوة إيران ومحدودية قدرة الكرملين على تقديم دعم فعّال في ساحات أخرى.
والأهم من ذلك، أن احتمال التوصل إلى تفاهم أميركي – صيني أوسع يزيد من دوافع روسيا لإعادة النظر في خياراتها، لأن مثل هذا التفاهم سيؤدي إلى مزيد من تهميش موسكو وتسريع تراجع نفوذها.
أما اهتمام بكين بالقمة المقبلة وبالتوصل إلى تفاهم أوسع مع واشنطن، فيعكس تقييمًا براغماتيًا لتزايد القيود البنيوية التي تواجهها. فالصين لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الأميركية والتكنولوجيا المتقدمة والأنظمة المالية الأميركية للحفاظ على نموها. كما أن قيود واشنطن المتصاعدة على أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، ومدخلات التصنيع المتقدم، تزيد من اختناقات الطموحات الصناعية الصينية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يصبح الانخراط مع واشنطن أقل ارتباطًا بالتقارب الاستراتيجي، وأكثر ارتباطًا بإدارة القيود؛ إذ تسعى بكين إلى متنفس تكتيكي، واستقرار في التوقعات، وهامش أوسع للمناورة ضمن بيئة خارجية تزداد عدائية.
أما إيران، فهي تواجه في المقابل أزمة وجودية. إذ باتت أولوية الحفاظ على النظام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ومن أجل ذلك، تحتاج ليس فقط إلى إنهاء حالة العداء الدائم، بل أيضًا إلى رفع العقوبات. ورغم أنها تحاول إظهار قدرتها على تعطيل حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز، فإنها تدرك أن الاستمرار في ذلك غير قابل للاستدامة.
كما تدرك طهران أن روسيا والصين لديهما حساباتهما الخاصة مع واشنطن، وهي بالنسبة لهما أكثر أهمية، وبالتالي فإن قدرتهما على مساعدتها تبقى محدودة. بل إن طهران تعلم أن بكين وموسكو قد تساعدان واشنطن في انتزاع تنازلات منها، إذا كانت تلك التنازلات تخدم مصالحهما الكبرى.
فبالنسبة لروسيا، يتمثل الهدف في تجنب أزمة سياسية – اقتصادية داخلية، ومنع اتساع الفجوة بين اقتصادها واقتصاد الصين، وهي فجوة مرشحة للتفاقم في حال التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة. أما الصين، فإن ضرورات أمنها القومي المرتبطة باستمرار نموها الاقتصادي قد تدفعها إلى التعاون مع الولايات المتحدة على الجبهتين الإيرانية والروسية معًا.
وفي هذا التشكيل الناشئ، تعكس المقاربات الأميركية المختلفة تجاه الصين وروسيا وإيران تحوّلًا جيو-استراتيجيًا أوسع، يقوم على إدارة الخصوم كلٌّ على حدة، بدل التعامل معهم بوصفهم تكتلًا موحّدًا. ومن خلال استغلال نقاط الضعف المختلفة، والأولويات المتباينة، والحاجات التفاوضية الخاصة بكل طرف، تستطيع واشنطن الاستفادة من حالة عدم الانسجام داخل هذا الاصطفاف المناهض لها.
كما يسلّط هذا النهج الضوء على الحدود البنيوية للتنسيق بين هذه الدول الثلاث، التي تتزايد تباينات مصالحها تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية. وبذلك، تتمكن الولايات المتحدة ليس فقط من احتواء خصومها، بل أيضًا من تحييد أخطر التهديدات التي يمثلها كل منهم بصورة انتقائية، محوّلةً حالة التباين بينهم إلى أفضلية استراتيجية تخدم مصالحها.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / كامران بخاري

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
