تجري في الأسابيع الأخيرة أحداث غريبة جدًا على الحدود الشمالية. رسميًا، إسرائيل في حالة وقف إطلاق نار، لكن يوميًا تقع هجمات على البلدات المحاذية للحدود، وعلى قوات الجيش الإسرائيلي داخل لبنان وداخل الأراضي الإسرائيلية، وخصوصًا بواسطة الطائرات المسيّرة. ينظر كثيرون إلى هذا الواقع ويقولون إننا عدنا إلى وضع السادس من أكتوبر، لكنهم مخطئون، فنحن أقرب كثيرًا إلى وضع نيسان/أبريل 2000، عندما كان الجيش الإسرائيلي يسيطر على الشريط الأمني في الجنوب اللبناني.
في الواقع، دخلنا في وضع أسوأ؛ نحن داخل العمق، ونتعرض لخسائر بشرية، وفي الوقت عينه لا ننجح في إزالة التهديد، أو منع تعطيل الحياة على الحدود. لو أن أحدًا عرض هذا السيناريو قبل عام ونصف العام، عندما دخل وقف إطلاق النار السابق مع لبنان حيّز التنفيذ، لاعتُبر ذلك فشلًا ذريعًا.
يمكن إلقاء اللوم على الحكومة، أو على الجيش الإسرائيلي، أو على أي جهة أخرى، لكن هناك عنوانًا واحدًا لهذا الوضع الذي تتلقى فيه إسرائيل الضربات، بينما تُمنع من “قلب الطاولة” والرد بقوة؛ فالرجل الجالس في البيت الأبيض، دونالد ترامب، هو الذي يدير العرض هنا. هو مَن قرّر وقف إطلاق النار، وهو مَن أعلنه، ولم ينتظر موافقة المجلس الوزاري الإسرائيلي، أو حتى صورة شكلية لنقاش، وهو مَن يفرض قواعد اللعبة الجديدة.
في الذكرى الأخيرة لقيام الدولة، رُفعت في أنحاء البلد أعلام غريبة، نصفها نجمة داود، ونصفها الآخر نجوم وخطوط العلم الأميركي. كانت هناك لفتة جميلة للإمبراطورية التي تدعمنا في مواجهة كل العالم تقريبًا، لكنها حملت أيضًا حقيقة صعبة بعض الشيء. ففي الأعوام الأخيرة، نمرّ بعملية فقدان لاستقلالنا، وتسليم جزء من سيادتنا للأميركيين. على سبيل المثال، كانت القاعدة الأميركية الضخمة في كريات غات أهم من قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي عند اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل غزة. وبينما كان البعض هنا يحلم بالعقارات والعودة إلى غوش قطيف، كان هناك مَن يفرض علينا الواقع.
طبعًا، هذه ليست أول مرة يتدخل فيها الأميركيون في سياسة إسرائيل بشكل فظّ. فصاحب المال هو صاحب القرار، والدعم الهائل الذي نتلقاه من واشنطن يأتي دائمًا مرفقًا بثمن: الجسر الجوي الذي نظّمه نيكسون وكيسنجر خلال حرب “يوم الغفران” [حرب أكتوبر 1973] شمل أيضًا فرض وقف إطلاق النار مع المصريين أثناء تطويق الجيش الثالث في سيناء. وفي الثمانينيات، أُوقف مشروع طائرة “لافي” خوفًا من الاصطدام بالمصالح الأميركية. وفي التسعينيات، جرّ جورج بوش يتسحاق شامير إلى مؤتمر سلام لم يكن يرغب فيه، وقاد كلينتون نتنياهو إلى اتفاق الخليل. وفي العقد الماضي، فرض باراك أوباما اعتذارًا أمام أردوغان وتركيا. وطبعًا، فإن جو بايدن، من خلال تحذيره “Don’t!”، هو أيضًا مَن رسم قواعد اللعبة بعد السابع من أكتوبر.
وعلى الرغم من هذه الأمثلة كلها، فإن الأمر مع ترامب يبدو كأنه مختلف تمامًا. فالرئيس الأكثر ولعًا بالاستعراض في تاريخ الولايات المتحدة يتصرف كأنه لا يحسب حسابًا لأحد، ومن وجهة نظره، الجميع مجرد ممثلين ثانويين في المسرحية العالمية، وهو النجم الوحيد.
قبل ترامب، كان جميع الرؤساء الأميركيين سياسيين يفهمون لغة الدبلوماسية، وديناميات العلاقات الدولية، والقواعد غير المكتوبة، وأحيانًا المكتوبة، التي تحكم السلوك العالمي. أمّا ترامب، فمنذ اللحظة الأولى، فقد قرّر أن ذلك كله لا يعنيه. يمكنه تهديد دول الغرب بتفكيك تاريخي لحلف الناتو، الذي يُفترض أن يشكّل القوة العالمية للديمقراطية. ويمكنه لقاء كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، على الرغم من أن نظامه منبوذ منذ عقود. ويمكنه أيضًا أن يطالب الرئيس إسحاق هرتسوغ مرات عديدة بمنح عفو لرئيس الحكومة، وهو حقًا تدخّل غير مسبوق في ديمقراطيتنا.
أحيانًا، يكون في ذلك شيء من الجاذبية، إذ يحرّره من قيود الدبلوماسية، ومن “الاستقامة السياسية”، ويضفي بعض الصراحة والرؤية المباشرة للأمور. ومَن مثلنا نحن، كإسرائيليين، يحب الحديث المباشر؟ لكن هناك أيضًا جانبًا آخر لذلك: ترامب يلتقط فورًا موازين القوى، وعلى غرار برامج تلفزيون الواقع الخاصة به، يهاجم بلا رحمة. فإذا بدأت إسرائيل تعرقل خطته الكبرى، على سبيل المثال، التوصل إلى اتفاق مع إيران، فسينسى فورًا مشاعر الودّ كلها، ولن يشعر حتى بالذنب.
ترامب يهتم بشيء واحد فقط: نفسه. وهذا ما يتفق عليه العالم كله؛ حتى إن أكبر مؤيديه يعلمون أنه مدفوع بـ”أنا” هائلة، وبنزعة انتقامية، وبرغبة في أن يُعتبر الأعظم على الإطلاق. لذلك، لا يتردد في القيام بخطوات جريئة: اتفاقيات أبراهام، فرض الرسوم الجمركية الدولية، خطف رئيس فنزويلا، وطبعًا، توجيه ضربة كبيرة إلى إيران.
وهنا أيضًا فهموا هذه القصة، والخطر المتمثل في أن “الأشقر” ربما ينقلب علينا ذات يوم. فاللغة التي نتحدث بها مع ترامب ليست لغة بين دول صديقة، بل بين ملك ورعاياه. يكفي أن نذكّر بأنه توجد في إسرائيل مستوطنة تحمل اسم “مرتفعات ترامب”، وفي يوم الذكرى الأخير، اختُرعت فئة جديدة من جائزة إسرائيل كان من المفترض أن تُمنح للرئيس، في حال وافق على الحضور. وخلال زيارته في يوم تحرير الرهائن، استقبلته إسرائيل بتملّق لا يُمنح إلا للحكام المطلقين.
يبدو كأن دونالد أُعجب بذلك، واستمتع كثيرًا بالاهتمام، وأضاف لنا بضع نقاط إضافية في دفتره، لكن في النهاية، هذا لا يكفي. أقترح أن نضع الأعلام المختلطة جانبًا إلى الأبد، وأن نبقى مع العلم الإسرائيلي فقط: أن نعود إلى سيادتنا الكاملة، لا على الأراضي فحسب، بل أيضًا على القرارات المتعلقة بأكثر الأمور مصيرية.
فعلاً، ترامب صديق حقيقي لنا، لكن أحيانًا تأتي اللحظة التي نقول فيها للصديق: “أخي، أنا أقدّرك جدًا، لكن هذا الأمر يجب أن أفعله بطريقتي الخاصة”.
نحن في الشمال نشعر بهذا الآن، وقريبًا، ربما يتحول ذلك إلى مشكلة تخص الدولة كلها.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية#molongui-disabled-link
