من جريمة دوستويفسكي إلى جريمة الإنسان العربي… من يحاكم من؟

كان راسكولنيكوف، في رواية دوستويفسكي، يرتكب جريمته ثم يغوص في هوة الضمير بحثًا عن الخلاص. أمّا نحن، في العالم العربي، فقد تحوّلنا من سؤال الجريمة إلى سؤال الغفلة… ومن سؤال العقاب إلى سؤال الغائب. جريمتنا بلا مجرمٍ واضح، وعقابنا بلا قاضٍ، والشعب نفسه واقفٌ عند باب محكمة لا يعرف إن كان شاهدًا أم متَّهَمًا، ضحيةً أم شريكًا في الجريمة.

لقد صار الخراب سياسيًا وثقافيًا وأخلاقيًا إلى حدٍّ لا يحتاج إلى تحقيقات. يكفي أن تنظر حولك لتعرف أن المجتمع الذي لا يقرأ… لا يتعلّم… لا يفكّر… هو مجتمع يُقاد كما تُقاد الأغنام إلى المذبح، لا يعرف إلى أين يسير ولا لماذا.

ما هي جريمة الإنسان العربي؟

ليست الجريمة في الفقر وحده، ولا في الاستبداد وحده، ولا في الجهل وحده. الجريمة الأكبر هي الاستسلام؛ حين يتحوّل الخضوع إلى عادة، واللاوعي إلى طريقة حياة.

جريمة الإنسان العربي أنه: سلّم عقله لمن يصرخ لا لمن يفكر؛ سلّم مصيره لمن يرفع الشعارات لا لمن يبني المؤسسات؛ آمن بأن السياسة سوق، فيها البيع والشراء، والولاء يُحدده المال لا المبدأ.

لكن الجريمة الأخطر… أننا ننتقد الأنظمة ليلًا ونهارًا، بينما نحن أنفسنا نصنع الفشل. نلعن الحكّام بينما نعيد إنتاج نفس الثقافة التي تصنع المستبد… نهاجم الفساد بينما نمارس صغائره يوميًا… نريد وطنًا قويًا، بينما نمزقه نحن إلى فصائل وأحزاب وأيديولوجيات متناحرة، كل فريق يجرّه إلى جهة، حتى صار الوطن كجسدٍ مشقوق بين ألف يد.

فمن هو المتهم إذن؟

أليست الأنظمة منّا؟ أليست الثقافة ثقافتنا؟ ألسنا نحن من نعيد انتخاب الفاسدين؟ من نبرر الأخطاء؟ من نخاف من التغيير؟ ألسنا نحن من نعيد تدوير نفس الخراب جيلاً بعد جيل؟

العقاب ليس سجنًا ولا جلدًا؛ العقاب أننا نعيش في وطنٍ بلا عدالة، مجتمعٍ بلا قراءة، طبقةٍ سياسية بلا ضمير، ومواطنٍ فقد القدرة على السؤال.

العقاب أننا نرى المدارس تخرّج أجيالًا لا تعرف كتابة جملة مفيدة، والإعلام يروّج للتفاهة، والمال السياسي يشتري المستقبل، حتى صار “المنحرف” نموذجًا للنجاح، و”المستقيم” مشروع ضحية.

العقاب أننا نُنتج — جيلاً بعد جيل — أبناء الضياع… أبناء التيه… أبناء الصدفة… أبناء العمى الروحي والفكري… لأن البيئة الفاسدة لا تُنبت إلا ثمارًا معطوبة.

عندما تسيطر الغوغاء، يختفي العقل، ويعلو الصراخ، وتتحول السياسة إلى مزاد، والمبادئ إلى سلعة. نحن نعيش اليوم في دولٍ تسمح للمال السياسي أن يشتري الأحزاب والولاءات والمستقبل. وحين يُباع المستقبل، لا تنتظر من الشعب أن ينجب إلا أبناء الفشل… لأنك ببساطة زرعت فوضى… فحصدت خرابًا.

كما في “بلد العميان”” لويلز، لكن الفارق أن العمى عندنا ليس فقدان البصر، بل فقدان البصيرة. صرنا نرى الخراب ولا نسمّيه، نعيش الخديعة ولا ننكرها، نقبل الإهانة ثم نبحث عمّن نعلّق عليه الذنب.

وماذا بعد؟

ليس السؤال: من يخطئ؟ ولا: من يحكم؟ السؤال الحقيقي: لماذا نسمح لأنفسنا أن نعيش بهذه الطريقة؟ أخطر جريمة يرتكبها مجتمع أن يتحوّل فيه المواطن إلى مجرد رقمٍ صامت، مجرد تابع، مجرد ظِلّ.

وإن لم نبدأ بإعادة بناء الإنسان أولًا — بالتعليم، والوعي، والفكر النقدي — فلن يتغير شيء. وسيظل العقاب مستمرًا… بلا قاضٍ ولا محكمة… ما دمنا نحن الشاهد والمتّهم والجلاد في الوقت نفسه!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.