لماذا تفشل بعض المشاريع مهما امتلكت القوة؟… إسرائيل نموذجًا

ليست الدولة مجرد كيان يُعلَن، ولا خريطة تُرسَم، ولا اعتراف دولي يُنتَزع. الدولة، في معناها العميق، هي نتاج فكرة جامعة، وعقد اجتماعي قابل للحياة، وقدرة على التعايش مع الجغرافيا والتاريخ والإنسان. ولهذا السبب تحديدًا، تفشل مشاريع سياسية كبرى رغم امتلاكها المال والسلاح والدعم الخارجي، لأنها أخطأت في فهم جوهر الدولة، وراكمت عناصر القوة بينما أهملت عناصر الشرعية والمعنى.

كل دولة تبدأ بفكرة، لكن ليست كل فكرة صالحة للتحول إلى دولة. الفكرة المؤسسة يجب أن تكون جامعة، لا إقصائية، قادرة على استيعاب التعدد لا إنتاج الصراع. فالدول التي قامت على التفوق العرقي أو الديني، أو على نفي الآخر، حملت في داخلها بذور أزمتها منذ اللحظة الأولى، لأن الفكرة عندما تتحول إلى أداة إقصاء تفقد قدرتها على الاستمرار.

في الحالة الإسرائيلية، لم تتشكل الفكرة المؤسسة عبر تفاعل طبيعي بين سكان أرض واحدة، بل عبر مشروع استجلاب وإحلال، قائم على تصور أيديولوجي أكثر منه عقدًا اجتماعيًا. وبدل أن يكون الانتماء نابعًا من التاريخ والمكان، أصبح مشروطًا بالانخراط في سردية سياسية مغلقة، تُفرض بالقانون والقوة معًا.

الدولة لا تُقاس بعدد الكيلومترات ولا بعمق التحصينات، بل بمدى شعور الإنسان فيها بالأمان والكرامة والمستقبل. المواطن ليس أداة تعبئة ولا مجرد عنصر ديمغرافي، بل هو حجر الأساس لأي كيان مستقر.

أحد أخطر مؤشرات هشاشة الدولة هو ضعف الهجرة الطوعية إليها، أو تحوّل البقاء فيها إلى عبء نفسي واقتصادي وأمني. عندما يرفض قطاع واسع ممن يُفترض أنهم “أبناء المشروع” الانتقال للعيش داخله، فالمسألة لا تتعلق فقط بفرص العمل أو مستوى المعيشة، بل بأزمة ثقة وجودية في فكرة الدولة نفسها. فالدولة التي تحتاج إلى دعاية دائمة لإقناع سكانها بالبقاء، أو إلى قوانين استثنائية لضبط توازنها الديمغرافي، هي دولة لم تنجح في تحويل الكيان إلى وطن.

يمكن لأي سلطة أن تفرض سيطرتها لفترة، لكن لا يمكنها شراء الشرعية إلى الأبد. الشرعية ليست صندوق اقتراع فقط، ولا تفوقًا عسكريًا، بل قبولًا عامًا بأن الدولة تمثل سكانها ولا تعادي محيطها. إسرائيل تعيش منذ تأسيسها أزمة شرعية مزدوجة: أزمة داخلية تتجلى في الانقسام الإثني والثقافي بين مكوناتها، وفي الصراع المستمر بين الطابع الديني والطابع المدني للدولة. وأزمة إقليمية، حيث لم يتحول وجودها إلى حالة طبيعية في وعي شعوب المنطقة، بل بقي مرتبطًا بمنطق القوة والردع، لا بمنطق القبول. الدولة التي تعيش في حالة طوارئ دائمة، وتُعرّف نفسها من خلال العدو، تفقد قدرتها على التحول إلى كيان مستقر.

من جهته، ليس الاقتصاد أرقام نمو معزولة، بل قدرة على الاستدامة دون استنزاف دائم للموارد والبشر. الدولة التي تعتمد على الدعم الخارجي والمساعدات العسكرية والتحويلات، تظل رهينة للقرار الدولي، مهما ادعت الاستقلال. عندما تصل كلفة بناء وحماية الدولة إلى تريليونات الدولارات، وعندما تُستنزف أجيال كاملة في الخدمة العسكرية والحروب المتكررة، يصبح السؤال مشروعًا: هل هذه دولة تُنتج الحياة، أم مشروع يستهلكها؟

الدولة الناجحة تخفف عن مواطنيها أعباء الوجود، لا تجعل الحرب نمط حياة. الدولة الحديثة تُدار بالمؤسسات، لا بالعقائد المغلقة. القانون، والقضاء، والإدارة المدنية، هي ضمانات الاستمرار، لا الشعارات ولا التعبئة الدائمة.

في الحالة الإسرائيلية، ما زال الطابع الأمني والعسكري مهيمنًا على تعريف الدولة ووظيفتها، ما يجعلها أقرب إلى كيان مُسَيَّس أمنيًا منه إلى مجتمع مدني مستقر. التاريخ يثبت أن الدول التي تختزل نفسها في الجيش تعيش طويلًا في الصراع، لكنها نادرًا ما تعيش طويلًا في السلام.

أخطأ تيودور هرتزل حين تخيّل أن مشروعه سيكرر تجربة الاستيطان الأوروبي في القارة الأمريكية، متجاهلًا أن الشرق الأوسط ليس أرضًا بلا ذاكرة. هذه المنطقة لفظت الحملات الصليبية، وأسقطت مشاريع استعمارية كبرى، لأنها اعتادت مقاومة الغزاة لا التكيف معهم. الدولة التي تُبنى ضد الجغرافيا وضد التاريخ، تعيش في صراع دائم مع محيطها، وتدفع ثمن ذلك أمنًا واقتصادًا واستقرارًا نفسيًا لمواطنيها.

خلاصة القول: لماذا تفشل مشاريع الدولة المسلحة؟ لأن الدولة ليست مشروعًا عسكريًا. السلاح قد يفرض واقعًا، لكنه لا يصنع وطنًا. القوة قد تؤجل الانهيار، لكنها لا تمنح الشرعية. الدولة الحقيقية هي التي تتحول إلى كيان طبيعي في محيطه، وتُقنع مواطنيها بالانتماء إليها دون خوف، وتبني مستقبلها بالتراكم لا بالاستنفار الدائم. وفي السياسة، كما في التاريخ، لا يُقاس النجاح بمن صمد بالقوة، بل بمن استطاع أن يعيش دون أن يرفع السلاح في وجه الزمن.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.