في لبنان، لا تُقاس حياة الإنسان بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد المرات التي اضطر فيها إلى البدء من جديد. كم مرة طُلب من اللبناني أن يعيد بناء منزله؟ كم مرة حمل ذاكرته في حقيبة صغيرة ورحل، تاركًا خلفه جذورًا ما زالت في الأرض؟ في كل مرة ينهض، يعيد ترتيب الحجارة، ويرمم الجدران، ويزرع الأمل من جديد.
لكن السؤال الذي يجب أن نجرؤ على طرحه هو: هل أصبح اللبناني ضحية قدرته الاستثنائية على التأقلم؟
لقد تعلّمنا أن نتأقلم مع الأزمات، مع الحروب، مع الانهيارات الاقتصادية، ومع الغياب شبه الدائم للدولة. تأقلمنا مع الألم حتى بات جزءًا من الحياة اليومية، وأضحى الاستثناء هو الاستقرار. غير أن الشعوب لا تُبنى على التأقلم وحده، بل على الإرادة، والأوطان لا تُصنع بالصبر فقط، بل بالفعل أيضًا.
المفارقة في لبنان أن الحروب قد تكون انتهت في الشوارع، لكنها ما زالت في النفوس. ولكن هل نستسلم لذلك؟ أم أن الوقت قد حان لنبحث عن معنى آخر للحياة بعد كل هذا الخراب؟ اللبنانيون، الذين عانوا وأعادوا البناء مرات ومرات، قادرون على ذلك. ليس فقط بإصلاح البيوت، بل بإصلاح العلاقات، وبناء جسور بين القلوب، فالحياة هنا ليست مجرد البقاء، بل الإبداع في العيش مع الآخر، في التلاقي والاحترام، وفي تجاوز الماضي دون أن ننساه.
أحد شعارات الثورة الفرنسية كان “الأخوّة”. لم يكن مجرد شعار سياسي، بل فكرة تقول إن المجتمع لا يقوم فقط على الحرية والحقوق، بل أيضًا على شعور عميق بأن مصير الناس واحد. فهل نستطيع في لبنان أن نعيش معنى الأخوّة حقًا؟ وهل يمكن للإنسان أن يتحرر أولًا من خوفه ومن ذاكرة الانقسام، لكي يلتقي بالآخر لا كخصم، بل كشريك في الوطن؟ وكيف نتحرر من دائرة العنف والانقسام لنخلق فسحات للحياة والسلام؟ فلبنان الجديد لن يُبنى فقط بإعادة بناء الحجر، بل بإعادة بناء العلاقة بين الناس، وباحتضان الآخر المختلف عنا، وبمشاركة الأمل في كل زاوية من وطننا، متخطين أهم التحديات وهي مسألة إدارة التنوع والهوية المجتمعية.
ففي لبنان، كما في كل مجتمع متنوع، تتشكل هوية الشعب من تجارب فردية وجماعية معًا. فالهوية المجتمعية تمنحنا شعور الانتماء، وتربطنا بتاريخ مشترك وثقافة مشتركة وقيم مشتركة. لكن إذا فقد الفرد قيمته داخل هذه الجماعة، وإذا أصبح مجرد رقم أو أداة، فإن المجتمع نفسه يضعف ويصبح هشًا أمام التحديات، وهنا خطر الأحزاب الشمولية التي تسعى لتقويض الفرد لصالح الجماعة. فالتوازن بين هوية الفرد وهوية المجتمع هو ما يجعل الأمة قوية، حرة، وقادرة على مواجهة الأزمات، ولهذا يحتاج لبنان الجديد إلى أن يغني كل فرد فيه نشيد حياته الخاصة، دون أن يفقد لحن الانتماء المشترك. يحتاج إلى أصوات تُعلي قيم الحياة على الموت، والأمل على اليأس، والحب على الانقسام. يحتاج إلى نشيد للحياة، لا كشعور عابر، بل كرسالة نعيشها يوميًا وننقلها إلى الأجيال القادمة.
دعونا نعيد اكتشاف لبنان الذي نحلم به، لبنان الذي يغني للحياة لا للموت، لبنان الذي يكون فيه الحلم حقيقة لا مجرد أمنية على أطراف الحرب. ربما لا نستطيع أن نمنع كل الحروب في العالم، لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تعيش داخلنا. وربما لا نستطيع أن نغير الماضي، لكن يمكننا أن نخلق في الحاضر فسحات للأخوّة.
فلبنان الجديد لن يولد فقط من إعادة بناء الحجر، بل من إعادة بناء العلاقة بين الناس. وبعد كل هذه الحروب، ربما لم يعد السؤال كيف ننجو… بل ماذا نغني بعد النجاة؟ فهل يمكن أن نلحن أخيرًا نشيدًا للحياة، لا نشيدًا للموت؟ نشيدًا لوطنٍ تعب من الجنائز، ويريد أن يتعلم الغناء من جديد.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
