فخامة رئيس الجمهورية،
ليس البديهي بحاجة إلى برهان، لكن في لبنان بات حتى البديهي يُهمَل عمداً. مكامن الخلل في الإدارة ليست خافية، بل مكشوفة إلى حدّ الفضيحة، ومع ذلك يُصار إلى تدوير الزوايا بدل مواجهتها. ما تحتاجه البلاد اليوم ليس تقارير إضافية ولا توصيفات مكرّرة، بل قرار جريء يقطع مع هذا التواطؤ المقنّع.
لبنان لا يحتاج إلى من يشرح أزماته، بل إلى من يتحمّل مسؤولية إنهائها. فكلّ يوم تأخير في إطلاق ورشة إصلاح فعلية ليس حياداً ولا حذراً، بل مساهمة مباشرة في تعميق الانهيار، وشراكة صامتة في استنزاف ما تبقّى من الدولة.
إنّ الحديث عن انتظار الظروف، أو التعويل على الخارج، لم يعد سوى ذريعة مفضوحة للهروب من القرار. الإصلاح لا يحتاج إلى إذن دولي، ولا إلى لجان تغرق في التفاصيل حتى الشلل، بل يحتاج إلى إرادة سياسية صلبة تفرض المسار، لا أن تسايره.
المطلوب ليس أكثر من تشكيل فريق عمل صغير، مستقل وفعّال، يضع مشاريع جاهزة وقابلة للتنفيذ فوراً. فكل ما عدا ذلك ليس سوى إعادة إنتاج للوقت الضائع في بلد لم يعد يملك ترف الوقت. إن المسؤولية اليوم ليست إدارية فحسب، بل تاريخية، والتاريخ لا يرحم المتردّدين. إما قرار الآن… أو تثبيت نهائي لمسار الانهيار.
فخامة الرئيس،
إنّ التغيير في لبنان لا يبدأ بخطوات كبرى بقدر ما يُبنى من إجراءات صغيرة، واضحة وقابلة للتنفيذ، تتراكم تدريجياً لتُحدث التحوّل المنشود. فالإصلاح لا يُختزل بخطط شاملة مؤجّلة، بل يبدأ بخطوات عملية تُكسر بها حلقة الجمود وتُستعاد من خلالها ثقة اللبنانيين بدولتهم.
من البديهي القول إن تضخّم القطاع العام لم يعد مجرّد توصيف نظري، بل تحوّل إلى عبء قاتل يهدّد أي محاولة للنهوض. الإدارات تعيش حالة خلل فاضح: فائض مقنّع في مواقع غير منتجة، مقابل نقص خطير في مواقع أساسية، كما هو الحال في وزارة العدل والأسلاك الأمنية. هذا الواقع لم يعد قابلاً للتبرير أو التأجيل. إن إعادة توزيع الموظفين لم تعد خياراً تقنياً يُبحث في اللجان، بل قراراً وطنياً ملحّاً يجب فرضه، لأنه المدخل الطبيعي لإعادة التوازن ووقف النزيف.
وفي موازاة ذلك، لم يعد ممكناً غضّ النظر عن واقع الأجهزة الأمنية التي تحوّلت إلى هياكل متضخّمة متداخلة الصلاحيات ومتكرّرة الوظائف، بما يفرغها من فعاليتها. تعدّد الأجهزة لم يعد مصدر قوة، بل دليل عجز وفوضى. الحاجة اليوم ليست إلى المزيد من البنى، بل إلى إعادة هيكلة جذرية تُنتج جهازاً أمنياً موحّداً في الأداء، منسّقاً في عمله، ومحرّراً من الحسابات الضيّقة التي كبّلته.
أما المؤسسات العامة التي أُنشئت لضرورات تاريخية في ستينات القرن الماضي والذي فاق عددها المئة، فقد تحوّل كثير منها إلى كيانات فارغة من مضمونها تُستنزف من خلالها الموارد بلا جدوى. استمرارها بصيغتها الحالية لم يعد إهمالاً فحسب، بل شكلاً من أشكال الهدر الممنهج. المطلوب ليس ترقيعها، بل إعادة النظر بها جذرياً: دمج ما يجب دمجه، إلغاء ما فقد مبرّره، وإعادة تعريف ما يمكن إنقاذه.
إن إنشاء وزارة للتخطيط، إلى جانب وزارة فاعلة لحقوق الإنسان، لم يعد ترفاً إدارياً ولا مطلباً نظرياً، بل من أبسط البديهيات التي تأخّر إقرارها بشكل غير مبرّر. فدولة بلا تخطيط هي دولة تدير أزماتها بردّات الفعل لا بالرؤية، ودولة تُهمّش ملف حقوق الإنسان تفقد تدريجياً شرعيتها الداخلية والخارجية. إن الاستمرار في تجاهل هذين المسارين لا يُفسَّر بالعجز، بل بغياب الإرادة في بناء دولة حديثة قائمة على التخطيط والمساءلة.
فخامة الرئيس،
قد يعتقد البعض أنّ الوقت غير مناسب لإطلاق ورشة إصلاح، بحجّة الحرب الدائرة في الجنوب وتعقيدات المرحلة. غير أنّ هذا المنطق، في جوهره، ليس سوى ذريعة إضافية لتأجيل ما لا يحتمل التأجيل. فالدول لا تُبنى في لحظات الهدوء فقط، بل تُعاد صياغتها أيضاً في قلب الأزمات، حيث تتّضح الأولويات وتسقط الحجج. لم يعد ينقص لبنان تشخيص، ولا تنقصه الخطط المؤجّلة، بل ينقصه القرار. كل ما سبق ليس اقتراحات نظرية، بل إجراءات بديهية تأخّر تنفيذها حتى تحوّل التأخير بحدّ ذاته إلى نهج حكم.
إن الاستمرار في إدارة الانهيار لم يعد خياراً مقبولاً، لأن ما يُهدَر اليوم ليس وقتاً فقط، بل ما تبقّى من مؤسسات الدولة وثقة الناس بها. والتاريخ، حين يُكتب، لا يميّز بين من عجز ومن امتنع، بل يُحاسب على النتيجة.
اللحظة لم تعد تحتمل التسويات الرمادية، ولا أنصاف القرارات. إما الانتقال إلى فعل إصلاحي واضح وصريح، أو الإقرار الضمني بترك الدولة لمصيرها.
فخامة الرئيس، القرار ليس مستحيلاً… لكنه مؤجّل، وتأجيله اليوم هو القرار الأخطر.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
