الموسيقى بين طهارة الوجدان وخطيئة التحريم

 

منذ فجر الإنسانية، عرفت النفس البشرية نبض الإيقاع قبل أن تنطق بالحروف، وخفق اللحن قبل أن تنقش الكلمات. كانت الموسيقى في البدء، لغة غير منطوقة، تفهمها القلوب قبل العقول، تهدهد الألم، وتوقظ الدهشة، وتربط الإنسان بشيء ما أكبر من حدود جسده وسجنه الترابي.

لا يخبرنا التاريخ أن موسيقيًا كان جزارًا أو سفاكًا. فالموسيقى لا تنبت في أرض القسوة، ولا تنمو في مناخ الكراهية. إنها تلامس الأعصاب برقة، وتغسل القلب من صدأ العنف. في حضورها، تخفت أصوات البنادق، وتخجل السكاكين من لَمَعانها. الموسيقى ليست فقط فنًّا، بل وعي آخر، شبيه بالصلاة… لكنها صلاة دون رهبة، دون خطيئة، دون شعور بالذنب.

ولعل هذا ما يخشاه أولئك الذين يرفعون رايات التحريم. فالموسيقى تُضعف منسوب القسوة، وتوقظ الحواس، وتزرع الرحمة. وهي مشاعر غير مرغوبة في فقه التجييش. الجندي المثالي، لا يُفترض أن يذرف الدموع حين يسمع نايًا حزينًا، بل أن يقبض على زنادٍ دون أن يرتجف. لذلك، في مجتمعات تقدّس الحرب وتستلذ بالعقوبة، تصبح الموسيقى تهديدًا. لا لأنها فاسدة، بل لأنها تُفسد مشروعهم، مشروع تحويل الإنسان إلى آلة.

بين التحريم و”التأديب الجماعي”

لو تأملنا مسألة تحريم الغناء والموسيقى في بعض البيئات الفقهية، لوجدنا أنها ليست وليدة نص قرآني قطعي، بل هي اجتهاد مبني على مرويات ظنية الثبوت والدلالة. وأكثر الأحاديث التي تُستند إليها في هذا الباب، لا تصحّ سندًا أو تُؤول متناً بعيدًا عن سياقها التاريخي. منها مثلًا حديث عند أهل السنة: “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف” (رواه البخاري تعليقًا، وليس بإسناد مباشر في صحيحه). وهذا الحديث –حتى على فرض صحته– لا يحرّم المعازف صراحة، بل يصف حال قوم “يستحلون” تلك الأشياء، وهو وصف لحالة نفاق أو تهاون، لا تشريع قطعي. كما أن الحديث جاء في سياق زمني كان الغناء يُقرن بمجالس اللهو الماجن، وكان الرقص في بعض الأحيان غطاءً للفجور، فصارت المعازف رمزًا لتلك البيئة، لا لذاتها.

أما شيعيًا لم تسلم البيئة الشيعية بدورها من التأثير الفقهي السائد في تصوير الغناء كفعل محرم أو منكر، إذ تنتشر في كتب الحديث روايات تُنسب إلى الأئمة من أهل البيت تُحرّم الغناء، وتربطه أحيانًا بالنفاق أو العذاب. من تلك الروايات، ما ورد في “وسائل الشيعة” عن الإمام الصادق: “الغناء مما وعد الله عليه النار، وتلا قول الله: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله}…”.

لكن، كما في المرويات السنية، علينا أن نُعيد النظر في سند هذه الأحاديث ودلالاتها. فكثير من هذه الروايات، إما ضعيفة السند، أو منقطعة، أو صدرت في سياقات اجتماعية وأخلاقية مخصوصة. بل إن بعضها لا يحرّم “الغناء” بإطلاق، بل يشير إلى نوع معين منه: ذاك المرتبط باللهو الماجن أو المجالس الفاسدة، لا الغناء كفنّ وجداني أو تعبير إنساني.

ثم إننا إذا أخذنا بعين الاعتبار النهج العقلي والتأويلي الذي ميّز فكر مدرسة أهل البيت، سنجد أن التحريم المطلق يتناقض مع المبادئ التي أرساها الأئمة في التفريق بين الظاهر والباطن، والمقصد واللفظ. فالغناء –كما كل وسيلة– لا يُحرّم لذاته، بل بحسب أثره ومضمونه وسياقه.

“اللغو”: بين المعنى القرآني والانزلاق التأويلي

كثيرًا ما يُستشهد بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3] في معرض تحريم الغناء أو الموسيقى، وكأنّ “اللغو” مرادف مباشر لأي صوتٍ يحمل إيقاعًا أو جمالًا. غير أن هذا التفسير، حين يُفكك بمنهج لغوي وسياقي دقيق، يتضح أنه قائم على إسقاطٍ مؤدلج لا على فهم موضوعي للنص.
فالقرآن يستخدم مفردة “اللغو” في مواضع متعددة، تدل جميعها على ما لا نفع فيه، أو ما يُخالف العقل والرشد، أو يُفضي إلى اللغو الكلامي والفراغ الأخلاقي. فاللغو هو الكلام الذي لا يُبنى عليه فعل أو قيمة؛ هو ما يُقال لا لشيء إلا لأن يُقال. والدليل أن القرآن ميّز في مواضع أخرى بين “اللّغو” و”القول الحسن”، ولم يُدرج الفن أو الشعر أو الموسيقى ضمن هذا السياق السلبي.

في الحقيقة، لو كان الغناء أو الموسيقى من “اللغو” بمفهوم القرآن، لما وجدنا النبي يسمع الحداء في السفر، ويُبدي تأثره بجمال الصوت، بل ولما تسامحت بيئة الإسلام الأولى مع الغناء في الأفراح والأعياد ومناسبات الاستقبال. إن مشكلة التحريم هنا لا تكمن في “اللغو” ذاته، بل في تحوّل مفهومه إلى مطية لكل ما لا ينسجم مع تصور فقهي ضيق للفضيلة. حتى الحزن إذا عُبر عنه بلحن، قد صار عندهم لغوًا. حتى الفرح إذا رقص له الجسد، أصبح لغوًا. فاللغو في عرفهم لم يعد ما لا معنى له، بل ما لا معنى له ضمن معاييرهم وحدهم.

أما القرآن، فقد ترفّع عن هذا التعميم، وترك للمؤمن مساحة التفريق بين ما يُلهي العقل، وما يُغذيه، بين ما يُخدّر النفس، وما يُحرّكها نحو المعنى. فالموسيقى، حين تكون وسيلة للتأمل أو الطمأنينة أو الارتقاء الوجداني، تخرج تمامًا من دائرة اللغو، لتدخل في رحاب الذكر غير المنطوق. ولعل السؤال الأهم هنا ليس: هل الغناء من اللغو؟ بل: كيف تحوّل مفهوم “اللغو” من خطاب أخلاقي إلى سلاح فقهي يُشهَر في وجه كل جمالٍ لا يخضع لمنظومتهم؟

الموسيقى كأداة للوعي والتطهير

يخافون من الموسيقى لأنها تلامس الجرح الذي يحاولون تغطيته بالنسيان. هي لا تعلّم الكسل كما يدّعون، بل تُعلّم التوقف، التأمل، البكاء… وكلها فضائل إنسانية تُربك من يحاول بناء مجتمع على الطاعة العمياء.

جرّب أن تستمع إلى تشايكوفسكي في خضم غضبك، أو إلى فيروز قبل طلوع الشمس، أو حتى إلى عودٍ منفردٍ يعزف مقام الحجاز… وستدرك أن الموسيقى ليست “لهوًا”، بل حكمة. إنها مرآة النفس. فإن كانت النفس ملأى بالكراهية، ستجدها مزعجة. وإن كانت رقيقة، ستفتح لها الأبواب دون مقاومة.

في السجون، وفي الحروب، وفي المعتقلات… يحاولون قتل الموسيقى أولًا. لأن من يغني لا يقتل. ومن يتذوق الجمال لا يسهل عليه تقبّل القبح، حتى لو جرى باسم الدين أو الوطن.

لسنا بصدد تبرير الغناء الذي يُروّج للابتذال أو يهين الذائقة، فالفن الهابط كالموعظة الزائفة، كلاهما فساد للوجدان. لكن الموسيقى، بصورتها الخالصة، هي شكل من أشكال الوعي. إنها نداء خفي من القلب، يقول: “أنا لا زلت حيًّا، لا زلت أتحسس، لا زلت أرفض أن أتحول إلى آلة”.

الموسيقى ليست عدوًا للدين، بل عدو للتدين الزائف. ليست خصمًا للفضيلة، بل شريك للروح في رحلة الطهر. وإذا كنا نخشى أن تُفسد الأرواح، فالأولى أن نخشى الصمت القاسي، لا الصوت العذب. ففي النهاية، من يغني للحب، لا يمكن أن يكون سكينًا في جسد الحياة. ومن يعزف للسلام، لا يمكن أن يحمل بندقية. ومن يبكي عند سماع لحن، لا يمكن أن يفرح بدمعة يتيم.

الموسيقى ليست ضد الدين، بل ضد القسوة التي تُرتكب باسمه.

مقالات الكاتب

د. محمد ترحيني

كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.