وهم التعايش… حين تصطدم العقيدة بالواقع المتعدّد

 

ظهر فيديو لطلاب مدرسة يرفضون الوقوف بقرب شجرة عيد الميلاد. فذلك الفيديو ليس حادثة تربوية عابرة ولا «سوء فهم» طفولي يمكن احتواؤه ببعض النصائح المدرسية. ما ظهر هو لحظة كاشفة، انبثاق لاواعي جماعي على سطح المشهد. الأطفال لم يخترعوا موقفهم، ولم يستيقظوا فجأة على كراهية رمزية لشجرة الميلاد؛ هم عبّروا، ببراءة صارمة، عمّا استقرّ في بنيتهم الذهنية قبل أن تتدخّل آليات الرقابة الاجتماعية والنفاق الأخلاقي التي يتقنها الكبار.

من منظور سوسيولوجي، الطفل ليس فاعلًا مستقلًا، بل حاملًا مبكرًا للمنظومة الرمزية التي يعاد إنتاجها داخل العائلة، المسجد، المدرسة، والحيّ. رفضه ليس موقفًا فرديًا، بل أداءً اجتماعيًا نقيًا، غير ملوّث بعد بلغة «التعايش» و«العيش المشترك» التي يتعلّمها لاحقًا بوصفها خطابًا سياسيًا لا قناعة داخلية. الطفل هنا يشبه المرآة الخام: يعكس ما يُلقَّن له دون تلطيف، ودون حسابات.

أما نفسيًا، فنحن أمام هوية تُبنى منذ السنوات الأولى على ثنائية حادّة: حق/باطل، إيمان/كفر، طهارة/شرك. هذه الثنائيات ليست مجرّد مفاهيم لاهوتية، بل أدوات تنظيم للذات والعالم. الطفل لا يرى نفسه «ضد» الآخر بوصفه إنسانًا، بل بوصفه حاملًا لرمز يهدّد تماسك هويته الدينية. الرفض هنا ليس كراهية شخصية، بل آلية دفاع نفسية: حماية الذات من التلوّث العقدي كما صُوّر له.

وهنا تكمن الخطورة: حين تتحوّل الهوية الدينية من معنى روحي إلى جهاز مناعي مغلق، يصبح أي رمز للآخر تهديدًا وجوديًا، لا اختلافًا مشروعًا. شجرة الميلاد لا تُرفض لأنها شجرة، بل لأنها علامة على «باطل» يجب نفيه نفسيًا قبل أن يُنفى اجتماعيًا. بهذا المعنى، الطفل لا يتصرّف بعنف، لكنه يتحرّك داخل منطق يمكن أن يُنتج العنف لاحقًا حين تتغيّر الظروف.

المجتمع اللبناني، بتكوينه الطائفي، يعيش على إنكار هذا الواقع. المسيحي، في لاوعيه الجمعي، يحتاج إلى الاعتقاد بأن الإسلام يقبل رموزه كي يشعر بالأمان الوجودي داخل فضاء مشترك. هذا الاعتقاد ليس جهلًا فقط، بل آلية نفسية دفاعية: إنكار الحقيقة المؤلمة أيسر من مواجهتها. الاعتراف بأن الآخر لا يعترف بك عقديًا يهدّد سردية «الوطن النهائي» و«الشراكة المتكافئة».

في المقابل، يعيش المسلم تمزّقًا داخليًا لا يقلّ حدّة. هو يعرف، معرفيًا، أن تراثه يحتوي على تيارات ونصوص تشرعن العنف ضد غير المؤمن في سياقات معيّنة، لكنه يحتاج نفسيًا إلى نفي ذلك كي يحافظ على صورة أخلاقية عن ذاته أمام الآخر وأمام نفسه. هنا تتشكّل الازدواجية: إنكار في العلن، وتواطؤ صامت في العمق. هذا ليس كذبًا بسيطًا، بل انقسامًا في الوعي ناتجًا عن صدام بين نصّ مقدّس ثابت وواقع اجتماعي متغيّر.

سوسيولوجيًا، هذه الازدواجية ليست فردية، بل بنيوية. المجتمعات التي لم تحسم علاقتها بين الدين والسلطة، ولا بين العقيدة والمواطنة، تُنتج دائمًا خطابين: خطابًا داخليًا تعبويًا، وخطابًا خارجيًا تطمينيًا. الأول يُبنى عليه الانتماء، والثاني تُدار به العلاقات. الطفل لم يتعلّم بعد الخطاب الثاني، لذلك قال الحقيقة بلا أقنعة.

نصل هنا إلى الجذر الأعمق: الإسلام، كنظام رمزي، لا يعرف الحياد. هو يبني أتباعه نفسيًا على يقين امتلاك الحقيقة النهائية. هذا اليقين يمنح طمأنينة داخلية عالية، لكنه يخلق هشاشة قاتلة في المجتمعات المتعدّدة. لأن من يملك الحقيقة لا يتفاوض معها، بل يتسامح مؤقتًا باسم المصلحة أو الضعف، لا باسم الاعتراف.

التجربة الغربية لم تفصل الدين عن الدولة لأنها «أرقى أخلاقيًا»، بل لأنها وصلت إلى انهيار نفسي واجتماعي جعل استمرار الدمج مستحيلًا. العلمنة كانت علاجًا بعد صدمة، لا خيارًا فلسفيًا حرًا. الإسلام، الذي لم يمرّ بهذه الصدمة التاريخية الشاملة، ما زال يحتفظ ببنية نفسية ترى في السلطة امتدادًا طبيعيًا للعقيدة، وفي التشريع تعبيرًا عن الإيمان.

لهذا، فإن خطاب «الإسلام الروحي» أو «الإسلام المدني» يبقى، نفسيًا وسوسيولوجيًا، محاولة لتسكين الألم لا لمعالجة المرض. هو خطاب موجّه للآخر، لا مراجعة داخلية حقيقية. وما لم تُفكَّك البنية النفسية التي تربط الهوية الدينية بنفي الآخر، سيبقى التعايش مجرّد هدنة لغوية.

ما قاله الطفل في طرابلس لم يكن شذوذًا، بل صدقًا مبكرًا. الكارثة ليست في صوته، بل في مجتمع يطالبه بالصمت كي يحافظ على وهم هشّ اسمه «العيش المشترك»، بينما الحقيقة، غير المريحة، تُربّى بهدوء في البيوت، وتنتظر لحظة أخرى لتخرج… ربما بوسائل أقل براءة.

مقالات الكاتب

د. محمد ترحيني

كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.