بتاريخ 25/2/2026، أصدر وزير المالية التعميم رقم 609/ص طلب فيه من كافة القضاة العقاريين والمسّاحين والمخاتير وأمناء السجل العقاري، كل في نطاق عمله، الامتناع عن قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم البلديات مباشرة أو الأفراد في محاضر التحديد والتحرير، والتي ينبغي قيدها أولاً باسم الدولة على أن تنتقل لاحقاً باسم البلديات المعنية في السجل العقاري، إذا توافرت المستندات الثبوتية لهذا التمليك المنصوص عنها في القرار رقم 186/26 (تحديد وتحرير الأملاك العقارية).
بعد مرور العديد من الاستفسارات إليها، أعلنت المديرية العامة للشؤون العقارية أن المقصود بعبارة “المشاعات” الواردة في التعميم رقم 609/ص تاريخ 25/2/2026 هي الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي، والتي لا يجوز قيدها باسم أفراد أو بلديات إلا استناداً إلى سند قانوني صريح ومشروع، حفاظاً على المصلحة العامة والملك العام، بعد أن وردت معلومات عن محاولة البعض الاستيلاء على مشاعات الدولة بصورة غير مشروعة.
أما المشاعات العائدة لأهالي القرى أو البلديات والواقعة ضمن النطاق البلدي، فأوضحت المديرية العامة أنها تبقى خاضعة للنظام القانوني الخاص بها، وتُقيد في محاضر التحديد والتحرير وفقاً للأصول المرعية الاجراء وعلى أساس طبيعتها القانونية.
وذكر البيان بأن وزير المالية كان أصدر تعميماً بهذا الشأن طلب فيه من كافة القضاة العقاريين والمسّاحين والمخاتير وأمناء السجل العقاري، كل في نطاق عمله، الامتناع عن قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم البلديات مباشرة أو الأفراد في محاضر التحديد والتحرير، إذ ينبغي قيدها أولاً باسم الدولة على ألاّ تنتقل لاحقاً باسم البلديات المعنية في السجل العقاري، ما لم تتوفر المستندات الثبوتية لهذا التمليك والمنصوص عنها في القرار رقم 186/26 (تحديد وتحرير الأملاك العقارية)، كما طلب من المختارين التقيّد بمهامهم التعريفية وليس التمليكية، وفق ما هو منصوص عنه في قانون المختارين والمجالس الاختيارية تاريخ 27/11/1947 وعدم إصدار إفادات “علم وخبر” بالعقارات المتروكة المرفقة والمشاعات، حيث أن هذه العقارات لا يمكن اكتساب ملكيتها بالتقادم ولا بالاستيلاء أو الأشغال (المادتان 236 و256 ملكية عقارية). ولفت التعميم إلى أن التحقق من “وضع اليد بمرور الزمن” هو من صلاحية القاضي العقاري وليس المختار.
وطلب التعميم أيضاً من كافة أمناء السجل العقاريين عدم نقل ملكية العقارات المتروكة المرفقة والمشاعات إلى ملك البلديات الخاص، قبل إيداع ملف المعاملة المديرية العامة للشؤون العقارية ليصار إلى اتخاذ القرار النهائي بشأنه من قبل وزير المالية كون وزارة المالية هي الوصية على أملاك الدولة وعقاراتها.
وأوضح البيان أن “هذا التعميم يأتي بعد أن كثرت في الفترة الماضية ظاهرة تسجيل ونقل ملكية عقارات غير ممسوحة أو متروكة مرفقة ومشاعات إلى ملك البلديات أو الأفراد خلافاً للأصول، وبعدما تبيّن إقدام بعض المخاتير على إعطاء إفادات علم وخبر لهذه العقارات خلافاً للقانون وللأصول التي ترعى عملية إعطاء إفادات العلم والخبر، وعطفاً على التعاميم السابقة في هذا الخصوص والصادرة عن وزارة المالية ووزارة الداخلية والبلديات بموضوع العقارات غير الممسوحة والتي تضمنت الشروط الواجب اعتمادها عند منح إفادات علم وخبر للعقارات المذكورة وضوابط نقل ملكية العقارات المتروكة المرفقة والمشاعات إلى اسم البلديات المعنية أو الأفراد”.
جوبه هذا التعميم بعدة انتقادات، تمحورت جميعها حول المسّ بنظام الملكية العقارية في لبنان، بما هو ضمانة دستورية قانونية واستقرار اجتماعي والحد الفاصل بين دولة القانون و”دولة وضع اليد” [1].
واعتبر منتقدو التعميم أنه استتبع بالتباس حول عبارة “المشاعات” وآلية قيد العقارات غير الممسوحة، فأثار مخاوف مشروعة لأنه يفتح الباب عملياً لمنطق شديد الخطورة في المجال العقاري: “قيد أولاً باسم الدولة ثم نقل لاحقاً”؛ فكلمة “أولاً” في السجل العقاري، بالنسبة لمنتقدي التعميم، ليست كلمة عادية، لأن “لاحقاً” قد يتأخر أو يتعثر، بينما القيد إذا وقع صار حجّة، وإذا صار حجّة صار “سلطة”، وإذا صار “سلطة” أمكن أن يتحول إلى وسيلة تعطيل أو ضغط أو تحكم بحقوق البلديات والجماعات والأهالي وبالمحيط الحيوي للقرى. ويتابعون بأن القيد العقاري لا يتحمل الغموض ولا التأويل لأنه خُلق لتثبيت الحق لا لتوليد حق جديد بالأمر الواقع.
كما ذكروا بأن التشريع العقاري اللبناني لم يترك المسألة دون إحاطة فعلية وإطار صحيح؛ فالمناطق غير الممسوحة تخضع لآلية إلزامية واضحة هي نظام التحديد والتحرير العقاري بموجب القرار رقم 186/1926 وهو نظام يقوم على أعمال مسح وتوصيف ومحاضر رسمية وإعلان وشفافية وحق اطلاع ومهل اعتراض وضمانات، ثم تثبت النتيجة وفق الأصول، وليس وفق قاعدة عامة تفرض بتعميم؛ والسجل العقاري ذاته، المنظّم بالقرار رقم 188/1926، ليس سجلاً عادياً، بل مرجعاً للحقيقة القانونية والواقعية للعقارات، ولا يبنى إلا على سند صحيح ومسار صحيح، لا على “قيد احتياطي” يستولد من التباس العبارات.
وفوق ذلك كلّه إن الملكية حق دستوري صريح، فقد وضعت المادة 15 من الدستور اللبناني الملكية في “حمى القانون” وربطت أي نزاع لها بالمنفعة العامة وبالشروط التي يحددها القانون وبعد تعويض عادل؛ أي أن انتقال الملكية إلى الدولة أو إلى سواها، لا يتم بتعميم بل بالأصول القانونية المحددة والمعددة حصراً، وذلك بإثبات قانوني ضمن مسار التحديد والتحرير أو بموجب سند ناقل للملكية وفق القواعد العامة. وفي حال توافر شروط نزع الملكية للمنفعة العامة، فالطريق الطبيعي رسمه قانون الاستملاك رقم 58/1991.
ويضيف المعترضون على التعميم أن الالتباس الدائر عن “المشاعات” و”الأراضي المهملة” و”المتروكة المرفقة”، مرجعه القانون وليس الاجتهاد “الإداري”، فقد ميّز قانون الملكية العقارية بدقة بين أنواع العقارات والحقوق وعرّف “العقارات المتروكة المرفقة” وبيّن طبيعتها وحدود استعمالها، وقرر أيضاً أنه عند تحقق شروط هذا النوع من الأراضي، اعتبار بعض العقارات الواقعة ضمن النطاق البلدي من نوع العقارات الداخلة في ملك البلدية الخاص مع قيود على التصرف. هذا التمييز جوهري، لأن الوصف القانوني للعقار ليس مادة مرنة تُبدل بقرار إداري، بل هو قاعدة تحدد المالك وحدود الحق والجهة المختصة والضمانات الواجبة.
وقد صدر “توضيح” عن المديرية العامة للشؤون العقارية يفيد بأن المقصود بعبارة “المشاعات” هو الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي، غير أن التوضيح، مهما كان ضرورياً، لا يكفي وحده ما لم يترجم إلى نص ملزم صريح ضمن التعميم ذاته وإلى آلية تنفيذ مكتوبة تقفل باب التوسع والتطبيق الانتقائي؛ فالغموض في نطاق القانون العقاري ليس ثغرة لغوية، إنه خطر على الاستقرار القانوني، لأنه يسمح بأن تتحول السلطة التفسيرية إلى سلطة تقريرية، ثم إلى أمر واقع، ثم إلى نزاعات لا تنتهي.
ويتابع المعترضون على التعميم أن المطلوب اليوم ليس صياغة مطمئنة، بل قرار قانوني واضح يرد الإدارة إلى حدودها ويعيد القيد إلى ضوابطه بتعديل التعميم تاريخ 25/2/2026، بحيث يحظر جعل “القيد أولاً باسم الدولة” قاعدة عامة أو مرحلة إلزامية، ويقتصر أي قيد باسم الدولة على الحالات التي تثبت قانوناً وبالأصول ضمن مسار القرار رقم 186/1926 وضماناته والقرار رقم 188/1926 أو بسند ناقل للملكية وفق القانون، أو وفق قانون الاستملاك 58/1991 حيث تتوافر شروطه. كما يقتضي تضمين التعديل استبعاداً صريحاً لا لبس فيه للمشاعات البلدية أو الأهلية ضمن النطاق البلدي، ولأي حقوق جماعية أو مرفقات لا يجوز العبث بطبيعتها وإصدار آلية تطبيق إلزامية تميّز بين الأنواع القانونية للعقارات وتكرّس حق الاطلاع والاعتراض وتمنع أي قيد لا يستند إلى سند مشروع ومسار قانوني صحيح.
ويختم المعترضون على التعميم أن لبنان يبنى بسيادة الدستور أولاً، ثم قوانينه العقارية، لأن الدولة التي تحمي الأرض بالقانون، تحمي ذاتها، والدولة التي تربك القيد وتربك الثقة، تفتح باب الهيمنة بدل الشراكة؛ ومن موقع الحرص على هيبة وزارة المالية وصدقية الإدارة، طالب المعترضون على التعميم بإعادته إلى حدود القوانين العقارية في لبنان، كما طالبوا بإعادة وظيفة السجل العقاري إليه كسجل عدالة وليس كذريعة سلطة.
لإبداء موقفنا القانوني من تعميم وزير المالية، لا بدّ في مرحلة أولى من إلقاء نظرة شاملة على تصنيف العقارات من حيث نوعها الشرعي (أولاً) قبل الانتقال إلى التحليل القانوني للتعميم (ثانياً).
أولاً: تصنيف العقارات من حيث نوعها الشرعي
لا بدّ قبل التطرق إلى التعميم لتحليله قانوناً، من توضيح تصنيف العقارات من حيث نوعها الشرعي تفادياً للوقوع في أي “لغط” قد ينشأ عن توصيف خاطئ للعقارات من الوجهة الشرعية، ولتفادي الوقوع في الخطأ الفادح الذي وقع فيه التعميم ليس فقط لجهة مضمونه ونتائجه، بل أيضاً لجهة تصنيف الأراضي وتوصيفها.
تصنّف العقارات من حيث نوعها الشرعي إلى خمسة أنواع شرعية (المواد 5 إلى 9 من قانون الملكية) وهي الآتية:
ـ العقارات الملك.
ـ العقارات الأميرية.
ـ العقارات المتروكة المرفقة.
ـ العقارات المتروكة المحمية.
ـ العقارات الموات.
هذا التصنيف ليس له معنى إلا إذا درسناه بمقتضى تاريخه، أي تاريخ إنشاء الأنواع الشرعية، وأصل هذا التاريخ هو الشرع الإسلامي (لا بل قبل الشرع الإسلامي في بعض الحالات) الذي عدّله القانون العثماني. وكان الشرع الإسلامي يعرّف “الأراضي الموات”، كما كان يعرفها من قبله “قانون حمورابي”، أي منذ ما يقارب ألفي سنة قبل المسيح، كما كانت تعرفها جميع الشرائع والعادات السامية (من بني سام) يقابل “الأراضي الموات” “الأراضي العامرة”، فالأولى ليست بملكية أحد والثانية لها أصحاب.
ثم وبين هذين النوعين، أدخل في تاريخ الشرع الإسلامي نوع ثالث (حوالي السنة الألف ميلادية) وهو نوع “الأراضي المحمية” التي ليست لأحد والتي كان ممنوعاً على أي أحد ان يتملكها.
فلا بد إذن لفهم حقيقة الأنواع الشرعية لهذه العقارات أن نتطرق إلى “الأراضي الموات”، ثم “الأراضي العامرة” وأخيراً “الأراضي المحمية”؛ وفي كل نوع سنتتبع التاريخ في الشرع الإسلامي ثم في القانون العثماني، حتى نصل إلى القانون اللبناني.
أ ـ الأراضي الموات
1 ـ الأراضي الموات في الشرع الإسلامي
قال الرسول (صلعم) في حديث له: “الأرض أرض الله، والعباد عباد الله، من أحيا أرضاً مواتاً فهي له”. فالأرض الموات هي التي ليست لأحد، ولم يكن لها صاحب منذ القديم وهي ميّتة بمعنى أنها غير مزروعة ولا مبنية ولا مستعملة بشكل ما. ويسمى تملّك تلك الأرض “الأحياء”. والإمام ابو حنيفة هو الوحيد الذي اشترط لتملّك الارض الموات أي لإحيائها شرط الترخيص من الإمام، وكان هدف هذا الشرط هو أولاً التحقق من أن الأرض هي موات، ثم إعطاء حق أفضلية للشخص المرخص له، وبهذا الحق حُلت المشاكل التي كانت تنشأ بين أشخاص متعددين زعموا أنهم المرخص لهم وأيضاً حُلّت المشاكل التي كانت تنشأ بين أشخاص متعددين زعموا أنهم أحيوا الأرض الموات. والإحياء هو التعمير بجميع الطرق: الزراعة أو السكن أو رعي الحيوانات؛ أي استعمال الأرض بأي شكل كان. وقال ابو حنيفة أيضاً أن الرجل الذي رُخّص له بإحياء الأرض ولم يقم بتنفيذ الإحياء يسقط حقّه بالأفضلية، خلال مدة ثلاث سنوات، ويحق للإمام إعطاء الأرض لغيره.
2 ـ الاراضي الموات في القانون العثماني
تعرف فئة الأرض الموات بسهولة لأنها مبنية على وضع مادي واضح: هي الأرض التي ليس لها مالك وليست مستعملة، لذلك بقيت هذه الفئة وجاء القانون العثماني فأخذ بقواعد الإمام ابو حنيفة ونص عنها في الباب الرابع من مجلة الأحكام العدلية وفي المادتين 6 و103 من قانون الأراضي لعام 1858.
3 ـ الأراضي الموات في القانون اللبناني (وفي القانون السوري)
احتفظ المشترع بهذا النوع ونصّت عنه أحكام قانون الملكية في لبنان والقانون المدني في سوريا وجعله من أملاك الدولة الخاصة. والترخيص الذي اشترطه مذهب ابي حنيفة إنما يصدر الآن عن الدولة اللبنانية والحق في الإحياء يُسمى “حق الأفضلية” على الأراضي الموات وهو حق عيني له شروط ومدة للإحياء [2].
ب ـ الاراضي العامرة
تُعرف الاراضي العامرة بان لها مالك وبانها مستعملة على شكل ما؛ وهي على نوعين. وقد نشأ هذا التنوع عن اختلاف نظرة الشرع الاسلامي والقانون العثماني اليها.
1 ـ الاراضي العامرة في الشرع الاسلامي
قال بعض المؤلفين ان الاراضي العامرة في الشرع الاسلامي كانت على نوعين: الاراضي العشرية والاراضي الخراجية. ليس هذا القول صحيا، لان الاراضي العشرية والخراجية تؤلف فئات من الاراضي العامرة، ثم ان التقسيم كان على خلاف ذلك، لكنه يجب اولا تعريف الاراضي العشرية والاراضي الخراجية، ومن ثم البحث في التقسيم الاساسي للاراضي في الشرع الاسلامي.
فبالنسبة للاراضي العشرية، يجب على كل مسلم اداء فريضة الزكاة ثم العشر، وهو ضريبة على الدخل او على محصول الاملاك ومنها سُميت الاراضي عشرية. قبل خروج الاسلام من جزيرة العرب كانت جميع الاراضي عشرية مهما كانت الطريقة التي اسلم بها سكان الجزيرة وظلّت جميع الاراضي في هذه الجزيرة اراض ٍ عشرية، وهي ما زالت حتى الآن ؛ وللاراضي العشرية صفتان: الاولى مالية، اذ يدفع اصحابها العشر وهو غير قابل للتبديل وهو عشر المدخول ؛ والثانية قانونية، اذ كانت ملكاً لاصحابها.
اما الاراضي الخراجية فاصلها التاريخي يعود الى الفترة التي ” خرجت ” فيها الجيوش العربية الاسلامية من جزيرة العرب وفتحت سوريا ولبنان وفلسطين ومصر، وكان لهذا الفتح آثار متعددة، فاسلم بعض الناس مباشرة وصار بعضهم الاخر يحارب الجيوش الاسلامية، فتنتصر هي عليه وصار بعضهم الاخر يجري معاهدات مع المسلمين سميت بكلمة ” صلح ” . وعند هذا الخروج وجدت مسألة قانونية ومالية قضى بحلها الخليفة عمر بن الخطّاب، ولهذا الحل أثره حتى الان. فلو كان يجب تطبيق الشرع الاسلامي كما كان مطبقا في جزيرة العرب، لكان على المسلمين مصادرة جميع الاموال والاملاك العائدة للناس الذين حاربوا الاسلام او لم ينتموا اليه. ولكن هذا الحل لم يكن موافقا لحاجات الجيوش الاسلامية التي كان ينقصها المال.
عند فتح سوريا ولبنان ومصر طالب المسلمون بتوزيع اراضي غير المسلمين واملاكهم على المسلمين؛ فدعا الخليفة عمر بن الخطّاب جماعة من الصحابة الى الاجتماع واستشارهم وقرر بعد هذا المؤتمر ابقاء الاراضي والاملاك لاصحابها غير المسلمين على ان يدفعوا ضريبة جديدة فرضت على هذه الاملاك وسميت ” الخراج ” ، على ان تكون رقبتها للدولة، فأصبحت بعد ذلك الاراضي اللبنانية والسورية كما يلي:
الاراضي الملك، اي ملكيتها لاصحابها وهي بدورها على نوعين رئيسيين: الاراضي العشرية وهي: التي كانت لغير المسلمين الذين حاربوا الاسلام فانتصر عليهم وصودرت اموالهم ووزعت على المسلمين ؛ والاراضي التي بقيت لاصحابهالانهم سلموا ؛ والاراضي التي ترك المسلمون ملكيتها لاصحابها بمقتضى صلح ، والاراضي الداخلة ضمن الاماكن الآهلة اي المدن والقرى، وذلك بموجب عرف قديم جداً ، وكانت هذه الاراضي معفاة من دفع اي ضريبة او رسم.
والاراضي التي رقبتها للدولة، وهي الاراضي الخراجية غير المشمولة باحدى فئات الاراضي العشرية.
وجوه الاختلاف بين الاراضي العشرية والاراضي الخراجية لها وجهان: احدهما مالي والآخر قانوني.
فمن الناحية المالية كانت الاراضي العشرية تدفع العشر وهو ضريبة على الدخل والمحصول، بينما الاراضي الخراجية تدفع الخراج، وهو رسم Tribut . وكان الخراج اما مفروضا على المحصول والدخل وسمي ” خراج مقاسمة ” وله حد أدنى هو العشر وحد أقصى هو النصف حسب ارادة الامام او حاكم المنطقة الذي كان يمثل الامام، واما مفروضا على الاراضي، سواء اعطت محصولا مهما بلغ ام لم تعطِ اسمه ” خراج وظيفة ” أو ” موظف “.
ومن الناحية القانونية ، كانت الاراضي العشرية ملكا لاصحابها بينما كانت الاراضي الخراجية بتصرف اصحابها ورقبتها عائدة للدولة ؛ اي في تلك الاجيال عائدة للامة الاسلامية الممثلة بالامام. وبما ان الرقبة كانت عائدة للامام، حق له او للحاكم الذي يمثله في المنطقة، اسقاط حق صاحبها، اذا امتنع عن دفع رسم الخراج.
ولكن اذا اردنا، إن لم نبدأ بالوجه الضريبي في التصنيفات ، كما فعل جميع المعاصرين متبعين بذلك المؤلفين القدامى، بل الابتداء بتصنيف مبني على الحقوق العينية، وهذا هو الاهم، نرى الاصناف الآتية:
الاراضي الملك، اي بملكية اصحابها، وهي تتألف من الاراضي العشرية ومن جميع العقارات الداخلة ضمن الاماكن الآهلة اي ضمن حدود المدن والقرى؛ وذلك بمقتضى قاعدة عرفية قديمة جدا كانت جميع الشعوب السامية تتبعها وتعمل بموجبها واحتفظ بها المسلمون وكانت ناشئة عن ان الحاكم او الامام كان يريد المحافظة دائماعلى العلاقات الطيبة بسكان المدن ؛ وهذه الاراضي لم تكن تدفع شيئا من ضرائب او رسوم.
والاموال العقارية التي تركها المسلمون لغير مسلمين على ان تبقى ملكا لهم، فهي اذن ليست خراجية.
والاراضي التي كانت رقبتها عائدة للدولة، وهي الاراضي الخراجية.
ولم تكن الوضعية العملية بسيطة انما كانت متشابكة لعدة اسباب هي: الاعفاءات ، اذ اعفى المسلمون بعض القبائل العربية المسيحية كبني غسان وبني تغلب من رسم الخراج وفرضوا عليها دفع العشر المضاعف، ولا نعرف الآن أكان العشر المضاعق من نوع العشر ام كان من نوع الخراج؛ اي لا نعرف لمن كانت رقبة هذه الاراضي لتلك القبائل ام للدولة ؟
وقد ذهب بعض الحكام المسلمين الى الاعفاء كليا او جزئيا من ضريبة الخراج، فاصبح من الصعب جدا، بل من المتعذر ان نعرف عشرية كانت الاراضي المشمولة بالاعفاء ام خراجية ؟
في البدء كانت الاراضي الخراجية تتحول الى عشرية اذا اسلم اصحابها، الى ان منع هذا التبديل في نوع الاراضي الخليفة عمر بن عبد العزيز سنة مئة هجرية، وكان سبب هذا المنع الرغبة في الاّ يؤدي هذا التبديل الى اضعاف امكانيات بيت المال.
وكانت الاراضي الموات تستملك بتعميرها ، اي باحيائها وتصبح عشرية او خراجية حسب آراء الفقهاء في تاريخ ” الاحياء ” لانهم اختلفوا في ذلك وخصوصا اختلف علماء المذهب الحنفي، فقال الامام ابو يوسف ان الاراضي الموات عند احيائها تكتسب صفة الاراضي المجاورة لها، فان كانت عشرية او خراجية اصبحت هكذا، وقال الامام محمد الشيباني انها كانت تكتسب صفة الماء الذي تسقى منها.
يتبيّن من خلال كل ذلك استحالة القطع بتعيين صفة تلك الاراضي في اواخر العهد الاسلامي العربي، اعشرية كانت ام خراجية ؟
ثم تشابكت الاوضاع بسبب الاحتلالات والحروب وانتقال الشعوب، فحدثت مشاكل دولية وداخلية منها احتلال الصليبيين وغزو المغول، ثم عهد الحروب الداخلية بين المسلمين وغير المسلمين الخ. فكان هذا العهد عهد انتقال الشعوب الاقلية من مراكزها الاصلية الى مراكز جديدة.
اضف الى ذلك ان الحروب الداخلية بين المسلمين أدت الى الفوضى في بلاد الشرق العربي والى عدم تطبيق الشريعة الاسلامية او اي قانون آخر سواها، بل سادت شريعة الغاب واصبح الاقوى يسيطر على الاضعف، ويستولي على ممتلكاته.
2 ـ الاراضي العامرة في القانون العثماني
احتل العثمانيون الشرق في القرن الخامس عشر الميلادي ، وعندما احتلوا اراضي السلطنة، كان قسم منها اسلاميا والقسم الاخر غير اسلامي. وبسبب هذا الاحتلال لم يعد ممكنا الجزم بصفة الاراضي: أعشرية كانت ام خراجية ؟ وعلاوة على ذلك كان هذا التقسيم مرتبطا بدين اصحاب الارض ، ثم تبدلت الحالة بتغيير الدين او بانتقال الشعوب من منطقة الى أخرى الخ.
وكان الاتراك في رحلاتهم العسكرية قد اخذوا عن الفرس نظام الاقطاعات العسكرية. وعندما احتلوا الشرق احتفظوا بمبدأ وجود اموال ملك وبمبدأ وجود اموال رقبتها للدولة. ولكنهم عدلوا عن اعتماد هذا التقسيم لتعذر معرفة الاموال الملك والاموال التي رقبتها للدولة عند الاحتلال؛ وتعذر جعل الاراضي المحتلة، التي كانت سابقا اسلامية، عشرية او خراجية مجددا.
هذا وقد احتفظ المشترع العثماني بنظريتي الاموال الملك والاموال التي رقبتها للدولة مع تبديل موضوعها وتطبيق النظريتين حسب نظام الاقطاعات العسكرية ، فاصبحت العقارات على نوعين ايضا: العقارات التي رقبتها للدولة والعقارات الملك.
العقارات التي رقبتها للدولة هي العقارات الاميرية ، فقد قرر السلطان سليمان القانوني سنة 955 هـ. او 1549 م. ان جميع الاراضي الخارجة عن المناطق الآهلة اي المدن والقرى تكون رقبتها للدولة، فاعطى بذلك لنظرية الرقبة تطبيقا جديدا وطويل المدى.
ثم قرر المشترع العثماني تقسيم المملكة الى مناطق عسكرية : الكبيرة منها سُميّت ” بالباشاليك“
وعلى رأسها قائد يسمى الباشا؛ وكان الباشوات يقسمون الباشاليك الــــى منــــاطق أصغر سميت
” سناجق ” يعهدون بها الى قائد سمي ” بك “. ثم قام اصحاب السناجق بتقسيم مناطقهم الى مقاطعات عسكرية كبيرة وصغيرة، سُميت الكبيرو منها ” الزعامات ” وقائدها الزعيم؛ وسميت الصغيرة منها ” التيمار ” وقائدها ” سيباهي “. وكان الزعيم والسيباهي لا يزرعان الارض ولا يفلحانها بل يعهدا بذلك الى اشخاص آخرين ويفرضان عليهم واجبات متعددة تجاههما: واجبات عسكرية واخرى مالية، وكانا يعطيانهم قســـــــما من المحصول وسموا هؤلاء الاشخاص ” المتصرفين” .
كان حق التصرف في البدء مشابها لحق المستأجر، اي لم يكن حقا عينيا بل حقا شخصيا وباستطاعة من سلّمه الارض اسقاط حقه متى شاء.
وكان الزعيم او السيباهي عند تسليمه الارض الى المتصرف يعطيه سندا يثبت به حق التصرف وسُمي هذا السند سند ” الطابو ” ( اي الارض ) . وبما ان حق التصرف كان كحق المستأجر يستتبع رد الارض الى صاحب الاقطاع، وعند وفاة هذا الى صاحب الاقطاع الاعلى درجة حتى الوصول الى السلطان اي الامير؛ لذا سميّت هذه الاراضي ” اميرية ” اي الاراضي التي للسلطان ( امير المؤمنين ) واليه مرجعها.
ثم تبدل حق التصرف اي الحق العائد للمتصرف ، فصدرت قوانين وارادات سنيّة متعددة اولها قانون الاراضي لسليمان القانوني سنة 955 هـ. ( 1549 م. ) ، وآخرها قانون انتقال الاموال غير المنقولة المؤرخ في 27 ربيع الاول 1331 او 21 شباط 1913، وبمقتضى هذه النصوص اصبح حق التصرف لمدى حياته. ثم اصبح ينتقل هذا الحق بسبب الوفاة لبعض الاشخاص.
واخيرا اصبح هذا الارث مخالفا للارث الشرعي، اذ انه يقبل مبدأ التساوي بين الذكر والانثى ومبدأ التمثيل ، وعرّف بكلمة ” انتقال” لتحفظ كلمة ” الارث ” للارث الاسلامي الشرعي دون سواه. ثم اصبح حق التصرف حقا عينيا عقاريا يعطي صاحبه سلطات متعددة، فكان يمنع على المتصرف اقامة الابنية او الاغراس على ارضه، ولا يجاز له سوى زرعها. ثم سمح له البناء والغرس، وكان ممنوعا عليه ان يرهنها ثم سمح له بذلك الخ.انما بقي حق التصرف اضعف من حق الملكية مع انه متقارب تاريخا معه، ولكن لم يتحدا حتى الآن.
وفي خلال مراحل التبديل صدرت ارادة سنيّة 1255 هـ . ، 1839 م. اسمها ” التنظيمات “، نظمت الجيش العثماني حسب التنظيم العصري، اي الغت الاقطاعات العسكرية.
ثم صدرت ارادات سنيّة أنشئت بموجبها ادارة عامة سميت ادارة ” الدفترخانة ” ، وحصر المشترع بهذه الادارة العامة صلاحية اعطاء سندات الطابو ومنع بذلك اصحاب المقاطعات حق اعطائها.
هكذا اصبح حق التصرف بعد جميع هذه المراحل حقا عينيا عقاريا على الاراضي الاميرية واصبح سند الطابو سندا رسميا تعطيه ادارة رسمية اثباتا لهذا الحق العيني العقاري.
كل الاراضي الخارجة عن المناطق الآهلة اصبحت في القانون العثماني رقبتها تعود للدولة، واصبحت اميرية من حيث نوعها الشرعي، فلم يبق من الاراضي الملك الا الاموال غير المنقولة الداخلة ضمن القرى والمدن ( المادة الثانية من قانون الاراضي لعام 1858 ).
ولكن بما ان القانون العثماني لم يكن مطبقا في جميع اقاليم المملكة العثمانية، فكانت بعض الاقاليم تطبقه وبعضها الاخر يطبق جزءا منه وبعضها الآخر لم يكن يطبق اي جزء منه، فنشأت استئثناءات واقعية، كما كانت الحالة في جبل لبنان القديم.
احتفظ القانون اللبناني ( وكذلك القانون السوري ) بالنوع الشرعي الملك وبالنوع الشرعي الاميري للعقارات. فحق الملكية يقع على العقارات الملك، بينما حق التصرف هو الذي يقع على العقارات الاميرية.
ج ـ الاراضي المحمية
هي التي تناولها وزير المالية في تعميمه، فسنتطرق اليها بصورة دقيقة توصلا الى تقييم التعميم وابداء رأينا القانوني فيه في الجزء الثاني من هذا البحث.
فقد نشأ بمقتضى العرف نوع جديد من الاراضي يصعب تحديد تاريخ انشائه بصورة جازمة؛ فالاراضي المحمية كالاراضي الموات لا يملكها احد، لكنها كانت مستعملة كالاراضي العامرة.
1 ـ الاراضي المحمية في الشرع الاسلامي
سُميت هذه الاراضي ” محميّة ” لانه كان اكتسابها ممنوعا على الافراد وكانت معدة لاستعمال الجميع او لاستعمال بعض الجماعات وكانت الفائدة كبيرة منها في العهد الاسلامي لان الشرع الاسلامي كان قد استعاض بالاراضي المحمية عن نظرية املاك الدولة العامة ونظرية املاك الدولة الخاصة.
2 ـ الاراضي المحمية في القانون العثماني
تنوعت الاراضي المحمية في العهد الاسلامي واصبحت على نوعين:
النوع الاول هو ” الاراضي المتروكة المحمية” والاراضي المتروكة المرفقة. فالاراضي المتروكة المحمية هي المعدة لاستعمال الجميع كالساحات العامة والشوارع والطرقات واسواق البيع والشراء الخ. وقد نصّت المادة 102 من قانون الاراضي لعام 1858 عن ان الاراضي المتروكة المحمية لا تؤخذ ولا تباع ولا يمضي عليها مرور الزمن؛ اي لا تكتسب بالحيازة ( وضع اليد ) وجميع هذه القواعد تعرف بالتعبير الحديث بكلمة ” تجميد “.
اما النوع الثاني ، فهو ” الاراضي المتروكة المرفقة ” وهي التي ياستعمال بعض الجاعات وهم سكان قرية ما. وقد نصّت عن هذه الاراضي المواد 91 وما يليها حتى المادة 103 من قانون الاراضي لعام 1858 واعطت عنها امثلة كثيرة كالمراعي والبيادر والمحلات لوضع الحطب والمحاصيل. وسُميت اراض ٍ متروكة اي متروكة لاستعمال بعض الجماعات وهم سكان قرية ما ومرفقة اي مرفقة بهذه القرية. وسُميت هذه الاراضي في جبل لبنان القديم ” الاراضي المشاع “.
3 ـ الاراضي المتروكة المرفقة في القانون اللبناني ( والسوري ايضا )
احتفظ المشترع اللبناني ( والسوري ) بهذين النوعين الشرعيين للعقارات وضم الاراضي المتروكة المرفقة الى املاك الدولة الخاصة، بينما الحق الاراضي المتروكة المحمية باملاك الدولة العامة واندمجت هذه الفئة مع الاملاك العامة البريّة [3].
ولا بد في هذا السياق من العودة الى قانون الملكية العقارية في المواد 7 و 8 و9 منه قبل استخلاص النتائج. فالمادة 9 تنص ان ” العقارات ( الخالية المباحة ) او الاراضي الموات هي الاراضي الاميرية التي تخص الدولة الا انها لم يجرِ التعرف اليها او تحديدها ، فيصبح لمن يشغلها اولا، بموجب رخصة من الدولة، حق الافضلية فيها ضمن الشروط المعيّنة في انظمة املاك الدولة “.
ان الاراضي الموات خارجة عن نطاق بحثنا الحاضر.
وتنص المادة 8 من قانون الملكية العقارية ان ” العقارات ( المتروكة المحمية ) هي العقارات التي تخص الدولة او البلديات وتكون جزءا من املاك الدولة العامة “.
وقد سبق وتطرقنا اليها وقلنا انها الطرقات والحدائق العامة.
ان موضوع بحثنا هو المادة 7 ملكية عقارية التي تنص ان ” العقارات المتروكة المرفقة هي العقارات التي تخص الدولة ويكون عليها لاحدى الجماعات حق استعمال محددة ميزاته ومداه بالعادات المحلية او بالانظمة الادارية.
2 ـ وتعتبر العقارات المشار اليها في الفقرة السابقة ملكا خاصا للبلدية اذا كانت داخلة في نطاقها. ولسلطات البلدية ان تلغي او تعدّل حق الاستعمال على بعض اقسام العقارات المذكورة مع المحافظة على حقوق الغير “.
هذا يعني ان العقارات المتروكة المرفقة [4] تقسم الى قسمين:
ـ العقارات الواقعة خارج النطاق البلدي وهي تخص الدولة ويكون عليها لاحدى الجماعات حق استعمال.
ـ والعقارات الواقعة داخل النطاق البلدي وتعتبر ملكا خاصا للبلدية. ويعود للبلدية ان تعطي عليها حق استعمال او ان تعدله او تلغيه.
ان هذا التوصيف للعقارات المتروكة المرفقة ( او المشاعات ) اصبح معتمدا منذ تعديل المادة 7 من قانون الملكية العقارية بالقانون رقم 47 / 71 تاريخ 24/6/1971 وقد تبعه قانون الموازنة رقم 2000 / 173 وهما عدّلا المادة 7 ملكية عقارية [5].
ثانيا: التحليل القانوني للتعميم
لا بد بادىء ذي بدء من الاشارة الى عدم دقة التعميم، فهو ” خلط ” خلطاً عشوائيا بين طبيعة العقارات المقصودة به ؛ وهذا ما دفعنا الى التطرق بصورة مفصّلة في القسم الاول من هذه الدراسة للتوسع في تحديد طبيعة الاراضي ونوعها وتصنيفها، كضرورة اولية لازمة، قبل التطرق الى التعميم ومناقشته من الناحية القانونية.
ان المادة 7 ملكية عقارية واضحة جدا، فهي تعتبر ان العقارات المحمية المرفقة ( المشاعات ) الواقعة ضمن النطاق البلدي هي ملك خاص للبلديات ( المادة 7، البند 2 ملكية عقارية ) ولا شأن للدولة بها؛ فيكون التعميم ارتكب خطأ فادحا عندما طلب من القضاة العقاريين والمساحين والمخاتير وامناء السجل العقاري كل في نطاق عمله، الامتناع عن قيد العقــــارات غير الممســـــوحة والمشــــاعات ( المقصود بها العقارات المتروكة المرفقة ) باسم البلديات مباشرة او الافراد في محاضر التحديد والتحرير والتي يبقى قيدها ” اولا ” باسم ” الدولة ” على ان تنقل لاحقا باسم البلديات المعنية في السجل العقاري. ثم اذا توافرت المستندات الثبوتية للتمليك المنصوص عنها في القرار رقم 186/26 ( تحديد وتحرير الاملاك العقارية ) فعندها تسجل على اسم البلدية ؛ اي بعبارة اوضح يقول التعميم بوجوب تسجيل هذه العقارات على اسم الدولة “ اولا” ، واذا اثبتت البلدية ملكيتها لها وتقدمت بالمستندات الثبوتية لملكيتها، عندها تسجل على اسم البلدية ! وفي ذلك مخالفة واضحة للبند 2 من المادة 7 ملكية عقارية التي تدخل العقارات المتروكة المرفقة ( المشاعات ) مباشرة باسم البلدية، ولا حاجة للبلدية ان تتقدم باي مستندات لتثبيت ملكيتها ، بل ان القانون يمنحها صراحة حق ملكية هذه العقارات. وان طلب تسجيلها ” اولا ” باسم الدولة ، ثم في مرحلة ثانية باسم البلدية شريطة ان تثبت ملكيتها بالمستندات، يشكل خرقا واضحا للمادة 7 ـ البند 2 ملكية عقارية. اما قول التعميم بان المقصود بعبارة ” المشاعات ” الواردة فيه ” هي الاراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي“، فقول خاطىء ايضا وايضا، لان ” المشاعات ” هي الاراضي المتروكة المرفقة وهي على قسمين: القسم الواقع خارج النطاق البلدي والذي تعود ملكيته للدولة ( المادة 7، البند 1) والقسم الواقع ضمن النطاق البلدي والذي تعود ملكيته للبلدية ( المادة 7، البند 2)؛ ولا حاجة هنا للتوضيح لان النص واضح، ولا سبيل للاجتهاد في معرض النص الواضح:
« In claris non fit interpretatio ».
اما التوضيح الذي تبع التعميم والذي جاء فيه بأن المقصود بعبارة ” المشاعات ” الواردة في التعميم هي ” الاراضي المهملة ” الواقعة خارج النطاق البلدي، والتي لا يجوز قيدها باسم افراد او بلديات الاّ استنادا الى سند قانوني صريح ومشروع حفاظا على المصلحة العامة والملك العام، بعد ان وردت معلومات بمحاولة البعض الاستيلاء على مشاعات الدولة بصورة غير مشروعة؛ فلا يقل خطأ عن التعميم ذاته لان ” المشاعات ” هي العقارات المتروكة المرفقة، سواء وقعت داخل النطاق البلدي ( وهنا تعود ملكيتها للبلديات ) او خارج هذا النطاق ( وتعود هنا للدولة )؛ وهي ليست اطلاقا ” الاراضي المهملة ” ، بل هي العقارات الخالية ( او المباحة ) او الاراضي الموات وهي اراض اميرية تخص الدولة، وهي العقارات التي لم يجرِ التعرف اليها او تحديدها، فيصبح لمن يشغلها اولا، بموجب رخصة من الدولة ،” حق افضلية ” فيها ضمن الشروط المعينة في انظمة املاك الدولة. وهذا النوع منصوص عنه في المادة 9 من قانون الملكية العقارية، وقد سبقت الاشارة اليه، وهذه الاراضي لا تشكل اطلاقا ” مشاعات ” ، اذ ان هذه الاخيرة محصورة بالعقارات المتروكة المرفقة بنوعيها: داخل النطاق البلدي وتعود ملكيتها للبلدية وخارج النطاق البلدي وتعود ملكيتها للدولة.
ولا بد لنا للتوضيح تفاديا لصدور اي تعاميم ” عشوائية ” وغير مدروسة، ان نوجز انواع العقارات كالتالي:
أ ـ في الشرع الاسلامي
1 ـ الاراضي الموات.
2 ـ الاراضي العامرة وهي على توعين: ـ الاراضي التي رقبتها للدولة، وهي الاراضي الخراجية.
ـ الاراضي الملك وهي بدورها على نوعين:
- الاراضي الواقعة داخل المدن والقرى.
- والاراضي العشرية.
3 ـ الاراضي المحمية.
4 ـ الاوقاف.
5 ـ الاراضي والاموال المباحة.
ب ـ في القانون العثماني
1 ـ الاراضي الموات.
2 ـ الاراضي الملك.
3 ـ الاراضي الاميرية.
4 ـ الاراضي المتروكة المحمية.
5 ـ الاراضي المتروكة المرفقة.
6 ـ الاوقاف.
7 ـ الاموال المباحة.
ج ـ في القانون اللبناني ( والسوري )
ـ الموات، المباح ( أدخلت في الاملاك الخاصة ) ويوجد عليها حق افضلية للافراد كما ذكرنا.
ـ الملك ( ومنها الاوقاف )، ( حق الملكية ).
ـ الاميرية ( حق التصرف ).
ـ المتروكة المرفقة ( ادخلت في الاملاك الخاصة ) يوجد حق للدولة ولبعض الجماعات باستعمال هذه الاراضي.
ـ المتروكة المحمية ( ادخلت في الاملاك العامة ).
ان المشترع اللبناني الذي حدد هذه الانواع لم يعطِ تعريفا لها، الا ان النوع الشرعي لعقار ما هو قابليته لان يكون موضوعا للحقوق العينية او سواها.
وان الحقوق العينية على عقار من نوع شرعي معيّن، تختلف عن تلك التي تقع على العقارات من نوع شرعي آخر. وان الانواع الشرعية للعقارات هي اجبارية ومحصورة؛ فهي اجبارية بمعنى ان لكل عقار نوعا شرعيا واحدا بصورة الزامية فلا وجود لعقار دون نوع شرعي له. وهي محصورة بمعنى ان النوع الشرعي لعقار ما هو احد هذه الانواع الخمسة فقط، وان الانواع الشرعية للعقارات تتغيّر، فهي قابلة للتغيير لان التصنيف الشرعي للعقارت ليس دائما.
اما حقوق الافراد والجماعات، فان الدولة هي التي تمنحها على العقارات المتروكة المرفقة في الاراضي الواقعة خارج النطاق البلدي، فيما تمنحها البلديات في الاراضي الواقعة ضمن نطاقها وهي عبارة عن ” حق استعمال ” على هذه العقارات او بعض اقسامها مع المحافظة على حقوق الغير ( المادة 7 ملكية عقارية ). وان حق الدولة في منح ” حق الاستعمال ” على هذه العقارات محصور في الاملاك المتروكة المرفقة الواقعة خارج النطاق البلدي وليس داخله، اذ عندئذ يعود منح حق الاستعمال عليها للبلدية.
فالمسح يجب ان يتقيد بالنصوص ، لا سيما المواد 5 و 6 و 7 و 8 و 9 من قانون الملكية العقارية، ولا حاجة للتعاميم عديمة الفائدة، اذ ان النصوص القانونية واضحة ويجب التقيد بها من قبل اي كان ( القضاة العقاريين والمخاتير والمساحين الخ ).
وان ما يطلق عليه التعميم تسمية ” ظاهرة تسجيل ونقل ملكية عقارات غير ممسوحة او متروكة مرفقة ومشاعات الى ملك البلدية او الافراد خلافا للاصول“، لا قيمة له، اذ ان ما يعود للبلدية هو للبلدية، وما يعود للدولة هو للدولة. وان الدولة والبلدية، كل في نطاق اختصاصه، تمنح حق الاستعمال عل العقارات المتروكة المرفقة، وفقا للاصول اذا توافرت شروط منح حق الاستعمال.
اما التوجه بالكلام للقضاة العقاريين، فعلاوة عن انه يشكل تدخلا مرفوضا في اعمال السلطة القضائية، فان لا قيمة له ايضا وايضا لان القضاة العقاريين يمارسون اختصاصهم وفقا للقانون وبدون تدخل احد معهم.
وما قيل اعلاه يصح ايضا في قول التعميم انه على امناء السجل العقاريين عدم نقل ملكية المشاعات والعقارات المتروكة المرفقة الى ملك البلديات الخاص، قبل ايداع ملف المعاملة المديرية العامة للشؤون العقارية ليصار الى اتخاذ القرار النهائي بشأنه من قبل وزير المالية كون وزارة المالية هي الوصية على املاك الدولة وعقاراتها؛ فهذا القول لا قيمة له ايضا، لان العقارات المتروكة المرفقة الواقعة خارج النطاق البلدي وكذلك العقارات المتروكة المحمية، فهي تسجل حكما على اسم الدولة، فيما العقارات المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي ، فتسجل على اسم البلدية على الصحيفة العينية. اما الافراد فلا تسجل العقارات على اسمائهم الا اذا اثبتوا ملكيتهم اصولا؛ بينما ” الجماعات ” فانه لا يمكن تسجيل ملكية باسمهم، بل تسجل على اسمائهم حقوق استعمال تمنحها البلديات في العقارات المتروكة المرفقة داخل النطاق البلدي وتمنحها الدولة خارج هذا النطاق.
واذا صودف وجود عقارات مسجلة ملكيتها باسم ” الجماعات” ، كأن يسجل مثلا عقار ما على اسم ابناء بلدة محددة، فيجب تصحيحه فورا لان ” الجماعات” لا يعود لها اي حق ملكية، بل فقط حقوق استعمال على الاراضي المتروكة المرفقة مرخصة من الدولة في الاراضي الواقعة خارج النطاق البلدي ومرخصة من البلدية في الاراضي المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلدي.
في المحصلة لا فائدة من التعميم في جزئه المتعلق بالقضاة العقاريين وامناء السجل العقاري والمسّاحين، اذ ان القانون هو الذي ينظم اعمالهم. ولا يصح اطلاقا تعديل القانون بتعمبم، عملا بقاعدة هرمية القواعد القانونية ( هرمية Kelsen ) المكرسة تشريعيا بالمادة 2 أ.م.م.
اما بالنسبة للمخاتير ، فان التعميم كان يجب ان يوجه اليهم بواسطة وزير الداخلية، وهم طبعا لا يتمتعون باي صلاحية فيما يتعلق بحقوق الملكية في الاراضي غير الممسوحة، بل ان العلم والخبر الصادر عنهم هو ذات قيمة وصفية ليس اكثر. وقول التعميم ان التحقق من ” وضع اليد بمرور الزمن ” هو من صلاحية القاضي العقاري وليس المختار، فمخالف للمادة 23 من قانون المختارين والمجالس الاختيارية رقم – 1 – تاريخ 27/11/1947 التي تمنح المختار بالاقتران مع توقيع احد اعضاء الاختيارية في البند 3 منها ، صلاحية وضع البيانات المتعلقة بواضعي اليد على الاراضي التي لا يحمل اصحابها صكوكا مسجلة. ويعود البت بهذه الامور في حال الاعتراض من ذوي الشأن للقاضي العقاري، فلا فائدة للتعميم من هذه الوجهة ايضا.
وبالنسبة لعدم جواز اكتساب ملكية العقارات المتروكة المرفقة ( المشاعات ) والمتروكة المحمية بمرور الزمن او بالاشغال او بالاستيلاء ، فمنصوص عنه في المادتين 236 و 256 ملكية عقارية، ولا حاجة ” للاستعانة بالتعاميم ” لتفعيل، إعمال وتطبيق النصوص القانونية ، لان القانون نافذ بذاته.
في الخلاصة ، ان التعميم مشوب بالاخطاء التي اشرنا اليها في متن هذه الدراسة، ولكن اخشى ما أخشاه الا يكون ” بريئا ” ! لان تسجل العقارات ” اولا ” باسم الدولة وبصورة غير قانونية، سيفتح ” شهية ” الخارجين عن القانون للاستيلاء عليها ، خصوصا وان ” تسجيل العقارات اولا” على اسم الدولة ليس محددا بمدة، او على الاقل ليس خاضعا لآلية واضحة ! ما يعكس طــــابع التعميم ” الهش” وخطورته على الديموغرافيا والكيان في آن واحد ؛ فحذار المس بـ ” الاراضي ” لان ذلك سيكون بمثابة اعلان ” حرب جديدة ” ؛ الا يكفينا حروباً في لبنان ؟!
[1] انطونيو الهاشم، نقيب المحامين في بيروت سابقا، مجلة ” محكمة ” الالكترونية ، تاريخ 2 آذار 2026: “ كتاب مفتوح الى وزير المالية: تعميمكم يمس نظام الملكية العقارية “.
[2] لم ينص المشترع اللبناني صراحة عن ” الاراضي الموات ” في المواد من 5 الى 9 من قانون الملكية العقارية، بل نص عنها بصورة غير مباشرة في المادة 10 من القانون المذكور، المخصصة لتعداد الحقوق العينية حصراً، اذ نص في البند الخامس من المادة المذكورة عن ” حق الافضلية على الاراضي الخالية المباحة ” ؛ اي انه اطلق على ” الاراضي الموات ” تسمية “الاراضي الخالية المباحة “، وان ” حق الافضلية ” عليها هو من بين الحقوق العينية العقارية.
[3] Voir : N. Assouad, Les immeubles métroukés – mourfakas ( mouchaas ), E.D.L, 1965, p. 57 à 75.
[4] لا بد من التوضيح ان العقارات المتروكة المرفقة يشار اليها احيانا بـ ” المشاعات “، حسبما كانت تسمى في جبل لبنان القديم ( ” الاراضي المشاع ” ).
[5] راجع في ذلك، تمييز مدني،غرفة ثانية، قرار رقم 60/2019 ، 30 أيار 2019، المرجع الآلي كساندر، برنامج “الموادي” ، تحت المادة 7 “ملكية عقارية” .

د. عبده جميل غصوب
دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.
