بين الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة… ما هو الأثر السلبي على مبدأ هرمية العقوبات في القانون اللبناني؟

يشكّل مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة إحدى الركائز الأساسية في القانون الجزائي الحديث، وهو يتجسّد عمليًا من خلال ما يُعرف بهرمية العقوبات، حيث تتدرّج الجزاءات تبعًا لخطورة الأعمال المرتكبة. وفي هذا الإطار، يثير اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إشكالية قانونية دقيقة، تتعلّق بمدى تأثير هذا التعديل على التوازن الداخلي لسُلّم العقوبات.

في مفهوم هرمية العقوبات ووظيفتها

يقوم النظام العقابي على تدرّج منطقي يربط بين جسامة الجريمة وشدّة العقوبة، بحيث تتوزّع الجرائم ضمن مراتب: جنايات، جنح، مخالفات، تقابلها عقوبات متفاوتة. وتكمن وظيفة هذا التدرّج في تحقيق العدالة عبر التناسب، وضمان فعالية الردع، ومنع التعسّف في استعمال السلطة العقابية، وتمكين القاضي من تفريد العقوبة ضمن إطار منضبط.

أثر إلغاء عقوبة الإعدام على قمّة الهرم العقابي

قبل الإلغاء، كانت عقوبة الإعدام تمثّل قمّة الهرم، وتُخصَّص لأشدّ الجرائم خطورة؛ تليها مباشرة عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، المقرّرة لجرائم جسيمة، ولكن دون مستوى الخطورة القصوى.

أما بعد استبدال الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، فإن النتيجة المباشرة هي: زوال التمايز بين درجتين من الخطورة؛ واندماج فئتين من الجرائم، الأشد والأقل شدّة، ضمن عقوبة واحدة.

في الإخلال بمبدأ التناسب

إنّ توحيد العقوبة لجرائم متفاوتة الخطورة يؤدي إلى خلل واضح في مبدأ التناسب، وذلك للأسباب التالية:

  1. تسوية غير مبرّرة بين الجرائم: تصبح الجرائم التي كانت تُعاقَب بالإعدام متساوية، من حيث الجزاء، مع جرائم كانت تُعاقَب أصلًا بالأشغال الشاقة المؤبدة، رغم اختلاف خطورتها.
  2. إفراغ التدرّج العقابي من مضمونه: يفقد السُلّم العقابي إحدى حلقاته الأساسية، ما يؤدي إلى اختلال بنيته الداخلية.
  3. تقييد فعالية الردع: عندما تتساوى العقوبة، يضعف الأثر الردعي الخاص بالجرائم الأشد.

حدود المعالجة القضائية لهذا الإخلال

قد يُقال إنّ القاضي يستطيع التعويض عن هذا الخلل من خلال التشديد أو التخفيف في العقوبة، أو الاستفادة من الأسباب المخفّفة أو المشدّدة؛ إلّا أنّ هذه الوسائل تبقى محدودة، لأن نطاقها محكوم بحدود النص، وهي حلول فردية لا تعالج الخلل البنيوي في التشريع.

خامسًا: في المعالجة التشريعية المقترحة

إنّ تفادي الإخلال بهرمية العقوبات يقتضي تدخلًا تشريعيًا شاملًا، من خلال:

  1. إعادة هيكلة السُلّم العقابي، وذلك عبر استحداث درجات وسطى بين المؤبد والعقوبات الزمنية.
  2. تنويع نظام العقوبة المؤبدة من خلال التمييز بين: مؤبد غير قابل للإفراج؛ مؤبد مع فترة أمان طويلة؛ ومؤبد قابل لإعادة النظر.
  3. إعادة تصنيف الجرائم، بحيث يُعاد توزيعها وفق سُلّم جديد يراعي التناسب.

سادسًا: في الفقه المقارن

أظهرت التجارب المقارنة، لا سيما في الأنظمة المتأثرة بالقانون الفرنسي، أنّ إلغاء عقوبة الإعدام يترافق مع تطوير آليات بديلة، كفترات الأمان périodes de sûreté، وذلك للحفاظ على التدرّج داخل العقوبة الأشد.

إنّ إلغاء عقوبة الإعدام يُعدّ خيارًا تشريعيًا ذا أبعاد إنسانية وحقوقية، إلّا أنّ نجاحه القانوني يظل مرهونًا بمدى انسجامه مع البنية العامة للنظام العقابي. وعليه، فإنّ استبدال هذه العقوبة بالأشغال الشاقة المؤبدة، من دون إعادة نظر شاملة في هرمية العقوبات، يؤدي إلى إخلال بمبدأ التناسب، ويُضعف التوازن الداخلي للسُلّم الجزائي، ما يستوجب تدخلًا تشريعيًا لإعادة هندسة هذا السُلّم بما يحقق العدالة والفعالية معًا.

فالمشترع اللبناني الذي اختصر إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها، في المادة الأولى من الاقتراح، بالأشغال الشاقة المؤبدة، من دون تعديل سُلّم العقوبات، كما أشرنا إليه أعلاه، يكون، في مقابل إلغاء إعدام البشر، قد «أعدم» مبدأً متجذّرًا في تقاليدنا التشريعية، هو مبدأ تناسب العقوبات Principe de proportionnalité des peines، الذي يشكّل الأساس الفلسفي لمبدأ هرمية العقوبات Hiérarchie des peines. لقد آن الأوان أن نتّعظ من واقعنا التشريعي السيئ، المتمثل بالتسرّع في التشريع، وأن نعمد إلى تشريع أكثر علمًا ودقّة وانسجامًا مع منظومتنا التشريعية العريقة، فتعود بيروت أمّ الشرائع.

مقالات الكاتب

د. عبده جميل غصوب

دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف، مستشار قانوني في الإمارات العربية المتحدة ـ دبي، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية.