في كل مرة يُنتقد فيها مسؤول أو زعيم، يُواجَه المعارضون بفكرة النزاهة بوصفها أداة من أدوات الدفاع عن الأداء السياسي لأهل السلطة. وقد حصل هذا كثيرًا في الحياة السياسية اللبنانية منذ الاستقلال حتى اليوم، مع العديد من الزعماء والرؤساء. وفي هذا السياق، يُعدّ الرئيس الراحل سليم الحص الأبرز ممّن ذُكرت محاسنهم الأخلاقية، وقد أُطلق عليه لقب «ضمير لبنان»، بعدما هيمن الإعجاب بنزاهته ونظافة كفّه على أي تقييم لفعالية أدائه الحكومي وإنجازاته السياسية، غير الكثيرة واقعًا.
غير أنّ النزاهة في الشأن العام يجب أن تُعدّ شرطًا بديهيًا في رجل الدولة. فهي تُوضع في خانة الأخلاق اللازمة، ولا يمكن في مطلق الأحوال اعتبارها ميزة استثنائية توازي الكفاءة، وتسمح بتخطّي باقي شروط الأداء السياسي، وتنفيذ السياسات العامة، وخدمة الشعب. فالقدرة على الإنجاز شيء، والمتطلبات الأخلاقية لممارسة الحكم شيء آخر.
بمعنى مختلف، إن الشخص النزيه وغير الكفوء سيأتي بنتائج كارثية على المال العام، بما يوازي، وربما يفوق، نتائج الشخص الفاسد، وإن كان كفوءًا إداريًا وعلميًا وقادرًا على تحقيق إنجازات، إنما بتكلفة باهظة على المال العام نتيجة فساده. فلا هذا ولا ذاك يُعدّ مطلب اللبنانيين، إذ يجب أن تكون الكفاءة والنزاهة مطلبين متوازيين ومتلازمين في مواصفات من يدخل جنة الحكم والإدارة.
لذا، فإن معيار التقييم لا يتوقف عند النزاهة فقط، بل يجب أن يشمل وضوح الخيارات السياسية، وفعالية الأداء، والمصداقية في ترجمة البيانات الوزارية إلى سياسات نافعة، ومواقف جادة وملموسة. فبهذا يُقاس عمل الحكومات، وتتكرّس هيبة السلطة.
جاءت هذه المقدّمة لتطرح السؤال الآتي: هل يحق انتقاد الرئيس نواف سلام، أم سنُواجَه بردّة الفعل المعتادة نفسها، التي لا تليق بنهج المعارضة البنّاءة، حيث تُخلط المعايير وتُطرح التبريرات، فيصعب الدفاع عن أدائه السياسي الضعيف حتى الآن؟
وعليه، فإن النقاش حول أداء نواف سلام نقاش مشروع، ولا سيما في سياق إقليمي–لبناني مأزوم، تتقاطع فيه الملفات الداخلية والخارجية أمام الحكومة اللبنانية، التي واجهت صعوبة في ملاقاة توقّعات اللبنانيين منها في أكثر من ملف.
من المعلوم أن نواف سلام، بعد طرح اسمه في خضم التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد سقوط بشار الأسد والانكسار الواضح للمحور الإيراني، قد جاء محمّلًا بتوقّعات كبيرة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين رأوا في تكليفه رئاسة الحكومة فرصة لنقل لبنان من موقع إلى آخر، ومن ضفّة إلى أخرى؛ أي الخروج من منطق التسويات التقليدية إلى منطق الدولة والمؤسسات.
ومن هنا، وفي سياق الأمور، فإن أي سلوك يصدر عن رئيس الحكومة تحديدًا، قد يُفسَّر على أنه مراعاة للمنظومة الحاكمة أو مسايرة للتوازنات السياسية المعتادة التي يجيدها أهل السلطة، لا يُعدّ خيارًا تكتيكيًا فحسب، بل يُصوَّر لدى عموم المواطنين على أنه خيبة أمل سياسية لم تكن في الحسبان. وحينها، لا تصبح المشكلة في السلوك نفسه، بل في اتّساع الفجوة بين القول والفعل.
يرتكز الدفاع عن أداء نواف سلام في كثير من الأحيان على حجة الظروف الداخلية والخارجية، وهي حجة مألوفة تؤكّد طبيعة السياسة اللبنانية القائمة على توازنات طائفية وسياسية مصلحية، حيث قد تؤدي الخلافات المباشرة بين الأقطاب إلى شلل مؤسساتي كامل. في المقابل، يبرز رأي نقدي يرى أن القيادات التي تصل إلى السلطة تحت مسمّى التغيير مُطالبة بإظهار مواقف واضحة وجازمة، حتى وإن لم تتحقق جميع الأهداف في الحال. فالموقف السياسي بحدّ ذاته يُسهم في إعادة تشكيل المعادلات بدل الاكتفاء بإدارتها، وإلّا فإن من جاء باسم الحل قد يتحوّل تدريجيًا إلى جزء من المشكلة. وفي هذه الحالة، يفقد الخطاب التغييري مضمونه، كما تفقد كل محاولة جادة لتغيير قواعد اللعبة معناها.
وبالعودة إلى تقييم أداء رئيس الحكومة الحالي، يصعب إيجاد مبرّر لغالبية ما يقوم به، ولا سيما لناحية عدم توافر مؤشرات تدل على مشاركة فاعلة في صنع السياسة الخارجية. فالدستور اللبناني، من خلال المادة 52، يتيح لرئيس الحكومة المشاركة في صنع القرار الخارجي إلى جانب رئيس الجمهورية، وبالتالي المشاركة في إدارة الملفات الحساسة بشكل متوازن.
وقد برز غياب واضح لرئيس الحكومة في هذا الصدد، ولا سيما في مسألة تحديد الأولويات لناحية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والدول المجاورة له، الأمر الذي أظهر تفوّق دور رئيس الجمهورية بعد فرض الترسيم مع قبرص، في ظل عدم اكتراث وجدية في السعي إلى ترسيم الحدود مع سوريا، كمطلب تاريخي ملحّ وضروري. وكان من المفترض على نواف سلام أن يدفع باتجاه هذا المسار، وهو ما لم يحدث، باعتبار أن الرئيس عون يُبدي فتورًا تجاه هذا الموضوع.
تتكئ فكرة المقالة على نقطة أساسية غالبًا ما نتجاوزها في النقاش العام، من باب التأييد المطلق وغياب الحسّ النقدي، ما يفرض ضرورة وجود معارضة سياسية بنّاءة، حتى من قبل الموالاة أو المؤيدين لرئيس الحكومة نفسه.
فمن الخطأ إظهار دعم غير مشروط للسلطة، مهما صدقت النوايا.
فالنقد المسؤول والبنّاء يضع السلطة أمام مسؤولياتها، ويدفعها إلى الالتزام بوعودها، ويحمي مشروع التغيير من الانزلاق نحو متاهة التسويات المزيّفة.
يبقى السؤال المركزي: هل يسعى نواف سلام إلى تحصين نفسه، وكسب الوقت، وخلق ميزان قوى يتيح له فرض التغيير الحقيقي المفضي إلى قيام الدولة؟ أم أنه استسلم للأمر الواقع ورضخ لمنطق التسوية والمحاصصة، الذي يُفرغ المشروع الإصلاحي من مضمونه، ويُضعف التجربة بدل تعزيزها؟
وبكل موضوعية، وبناءً على ما لمسناه طوال الفترة السابقة، يستنتج هذا المقال أن السلوك السياسي لرئيس الحكومة يتجه بوضوح نحو الخيار الثاني.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
