من نيويورك إلى العالم… العدالة الدولية في فكر اليسار الأميركي الجديد

يشهد الإيقاع السياسي الأميركي في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا من مركزية القوة إلى مركزية القيم، ومن السياسة البراغماتية إلى السياسة الأخلاقية.
وقد جاء فوز زهران ممداني السياسي الأميركي ذي الأصول الأفريقية والمسلمة ليجسّد هذا التحول، بوصفه جزءًا من جيل يساري تقدّمي يضم أيضًا برني ساندرز وألكسندريا أوكاسيو-كورتيز.

لكن اللافت في هذا التيار ليس فقط برنامجه الاقتصادي والاجتماعي، بل رؤيته الفلسفية الجديدة للعدالة الدولية، التي تعيد تعريف دور الولايات المتحدة في العالم من موقع الهيمنة إلى موقع المسؤولية الأخلاقية المشتركة.

العدالة من الداخل إلى الخارج منطلق فلسفي مشترك

ينطلق الثلاثة من رؤية قوامها أن العدالة لا يمكن تجزئتها: فالمجتمع الذي يقبل باللامساواة داخليًا لا يستطيع أن يكون عادلًا في سياساته الخارجية. يعبّر ساندرز عن ذلك بقوله إن “السياسة الخارجية يجب أن تعكس قيمنا، لا مصالح شركاتنا”، فيما تصوغ أوكاسيو-كورتيز الفكرة بلغة أكثر راديكالية حين تقول: “الظلم في فلسطين أو في برونكس هو نتاج نفس البنية الإمبريالية”. أما ممداني، فيذهب أبعد من ذلك فلسفيًا، إذ يرى أن العدالة الدولية هي استمرار للعدالة الاجتماعية بلغة عالمية، أي أن تحرير الإنسان من الفقر أو العنصرية في نيويورك مرتبط بتحرير إنسان آخر من القصف أو الاحتلال في غزة أو الكونغو.

ممداني: إعادة تعريف موقع أميركا في العالم

زهران ممداني هو التجسيد الأوضح لفكرة المواطنة الكونية داخل السياسة الأميركية. من خلال أصوله الموزعة بين أفريقيا وجنوب آسيا والولايات المتحدة، يتعامل مع السياسة الخارجية لا كعلاقات بين دول بل كعلاقات بين بشر. فلسفياً، يمكن قراءة فكره ضمن امتداد مدرسة أمارتيا سِن في العدالة العابرة للحدود، حيث تصبح الأخلاق السياسية أكثر أهمية من المصلحة الوطنية الضيقة. ممداني يرى أن الولايات المتحدة لا تُقاس بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على أن تكون عادلة عالميًا بقدر ما تحاول أن تكون عادلة داخليًا. وفي هذا، يقدّم نموذجًا لما يسميه المفكر الأميركي كورنيل ويست “اليسار الأخلاقي” الذي لا يفصل بين السياسة والضمير.

ساندرز: العدالة عبر كبح الرأسمالية العالمية

برني ساندرز، شيخ اليسار الأميركي، يضع العدالة الدولية في إطار اقتصادي أممي. يعتبر أن الفقر في الجنوب العالمي واللامساواة داخل أميركا وجهان لعملة واحدة اسمها الرأسمالية المتوحشة العابرة للحدود. ولذلك فهو يدعو إلى تحالف عالمي بين الطبقات العاملة ضد نظام السوق غير المقيد، ويرى أن العدالة تبدأ من مقاومة الشركات التي تموّل الحروب وتتحكم في السياسات. إنه ينتمي فلسفياً إلى إرث كارل ماركس الأخلاقي، لا بمعناه الصراعي فحسب، بل بمعناه الإنساني الذي يجعل الكرامة والحق في الحياة معياراً للسياسة لا للأرباح.

أوكاسيو-كورتيز: العدالة بوصفها تفكيكًا للهيمنة

أما ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، فتقدّم رؤية نسوية – مابعد استعمارية للعدالة الدولية. في خطابها السياسي، نجد صدى لفلسفة فرانز فانون وأنجيلا ديفيس؛ إذ تعتبر أن الإمبريالية ليست فقط هيمنة عسكرية، بل بنية ذهنية وثقافية تجعل الأميركي يشعر بالتفوّق على الآخر. هي تدعو إلى “سياسة خارجية إنسانية” تنطلق من الإقرار بمسؤولية الولايات المتحدة عن الأزمات البيئية والاقتصادية التي تعصف بالعالم. فلسفيًا، ترى أن العدالة لا تعني التوازن بين الدول، بل تفكيك البُنى التي تنتج اللامساواة بين الشعوب، أي العدالة كتحرير، لا كميزان قوى.

من الأخلاق إلى السياسات: ملامح فلسفة جديدة

يمكن القول إن الثلاثي (ممداني، ساندرز، أوكاسيو-كورتيز) يشكّلون معًا نواة ما يمكن تسميته بالفلسفة الأخلاقية للسياسة الخارجية الأميركية الجديدة، وتقوم على ثلاثة أعمدة:

  1. الكرامة قبل القوة: لا معنى للهيمنة في عالم ينهار أخلاقيًا وإنسانيًا. العدالة هي معيار الشرعية.
  2. التضامن قبل التحالف: الشراكة مع الشعوب أولى من التحالف مع الأنظمة، والعدالة الإنسانية تتقدم على الحسابات الجيوسياسية.
  3. المسؤولية العالمية المشتركة: الفقر في الجنوب، واللجوء، والمناخ، والاحتلال، كلها ليست “مشاكل الآخرين” بل مظاهر لخلل النظام العالمي الذي تشارك أميركا في صناعته.

أثر هذا التحول على صورة أميركا

فوز ممداني، وانتشار خطاب ساندرز وAOC، يعيدان تعريف ما يعنيه أن تكون “أميركيًا صالحًا” في القرن الحادي والعشرين. فالعدالة لم تعد محصورة في الدفاع عن دستور داخلي، بل باتت مفهومًا كونيًا يعبر الحدود. إنهم يسحبون السياسة الأميركية من مجال “المصلحة” إلى مجال “الضمير”، في لحظة عالمية تزداد فيها الأزمات الأخلاقية. وهذا التحول — وإن بدا بطيئًا — قد يكون أحد أكثر التحولات الفلسفية عمقًا في التاريخ السياسي الأميركي الحديث.

بقي شيئ أخير: إن العدالة في فكر ممداني وساندرز وأوكاسيو-كورتيز ليست شعارًا أخلاقيًا، بل بوصلة فلسفية تعيد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج، بين المواطن والإنسان، بين القوة والقيمة. وإذا ما تمكن هذا التيار من تحويل رؤيته الأخلاقية إلى سياسة عملية، فقد تدخل الولايات المتحدة طورًا جديدًا من تاريخها: طور لا تُقاس فيه بالأساطيل والصفقات، بل بمدى إنصافها للعالم الذي تتزعمه.

 

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.