فوضى المراسيم… لماذا يدفع الموظف الضرائب حين يُستثنى من الحقوق؟

عندما أقرّت الدولة مراسيم «تعويض المثابرة» لموظفي القطاع العام، قُدّم القرار يومها على أنه إجراء إنصافي يهدف إلى التخفيف من تداعيات الانهيار المالي على رواتب العاملين في الإدارات العامة والبلديات والمؤسسات العامة. غير أنّ القراءة الدقيقة لنص المراسيم كشفت استثناءً صريحاً وواضحاً: المؤسسات العامة ذات الطابع الاستثماري.

بموجب هذا الاستثناء، شملت الزيادة الإدارات العامة والبلديات والمؤسسات الإدارية التي تسمح أوضاعها المالية بدفع تعويض المثابرة، فيما استُبعدت المؤسسات المصنّفة قانوناً كمؤسسات عامة ذات طابع استثماري، وفي مقدّمها المستشفيات الحكومية، إلى جانب مؤسسات أخرى كـمؤسسة كهرباء لبنان، مؤسسات المياه الإقليمية، وأوجيرو.

حتى هذا الحد، قد يُفهم أن للدولة مقاربة مختلفة في إدارة المؤسسات ذات الأنظمة القانونية والمالية المتمايزة. لكن ما حصل عملياً نسف هذا المنطق من أساسه. إذ إنّ جميع المستشفيات الحكومية المصنّفة استثمارية عمدت إلى منح تعويض المثابرة للعاملين لديها، سواء كانوا مستخدمين قانونيين أم غير قانونيين، رغم الاستثناء الصريح الوارد في المراسيم.

التناقض بلغ ذروته في عام 2024، حين أصدر مجلس الوزراء مرسوماً جديداً يقضي بمنح هذه المستشفيات سلفة خزينة لتغطية تعويض المثابرة. أي أنّ الحكومة نفسها، التي استثنت المؤسسات الاستثمارية من الاستفادة من المثابرة بمرسوم، عادت ومنحتها بمرسوم آخر تمويلاً من المال العام لتسديد التعويض ذاته. السلفة صُرفت عبر وزارة الصحة العامة، استناداً إلى جدول مرسل منها، وبلغ مجموعها 1,055,544,164,392 ليرة لبنانية، وهو مبلغ لا يكفي سوى لتغطية أربعة أشهر من المثابرة.

فكيف تُستثنى هذه المؤسسات بمرسوم، ثم تُموَّل بمرسوم آخر لتسديد التعويض نفسه؟ متى يكون توصيفها «استثمارياً»؟ عند حرمان الموظفين من حقوقهم؟ أم عندما يُفتح باب سلفات الخزينة من المال العام تعود فجأة إلى خانة «المؤسسات العامة»؟

الأسوأ من التناقض التشريعي والمالي، أنّ القسم الأكبر من الأرقام الواردة في جداول السلفة يتصل بعمال شراء خدمات غير قانونيين في هذه المستشفيات، فيما يبقى الموظف القانوني الأصيل عالقاً بين استثناء ومرسوم وسلفة مؤقتة. أي أنّ العامل الذي لا يستند توظيفه إلى مسار قانوني مكتمل يُغطّى فعلياً من المال العام، بينما يُحرم الموظف النظامي من حقّه بحجة التصنيف «الاستثماري».

وإذا كانت السلفة لا تغطي سوى أربعة أشهر، فماذا بعد؟ ومن أي موارد تُدفع حالياً تعويضات المثابرة في هذه المستشفيات؟ سؤال موجّه مباشرة إلى وزير الصحة وإلى مجلس الوزراء، من دون أي إجابة واضحة حتى الساعة.

التناقض لم يتوقف عند هذا الحد. ففي جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، أُقرّت زيادة جديدة على رواتب العاملين في الإدارات العامة تصل إلى ستة أضعاف، مع استثناء متجدّد للمؤسسات العامة ذات الطابع الاستثماري، أي مجدداً المستشفيات الحكومية المصنّفة كذلك.

وهنا يُطرح السؤال بصيغته الأكثر بساطة ووضوحاً: إذا قامت هذه المستشفيات بدفع الزيادة الجديدة للعاملين لديها، فمن يتحمّل المسؤولية القانونية؟ هل يملك مجلس الإدارة صلاحية تجاوز قرار صادر عن مجلس الوزراء؟ وهل الأموال التي تُصرف من موازنات هذه المؤسسات لتعويض المثابرة وزيادة ستة رواتب إضافية ليست، في نهاية المطاف، أموالاً عامة؟

من هنا لم تعد المسألة مالية فحسب، بل تحوّلت إلى معضلة سيادية إدارية: هل هذه المؤسسات ملك للدولة أم ملك لمجالس إداراتها؟ إذا كانت جزءاً من الدولة، فهي تخضع لقراراتها وتلتزم باستثناءاتها. وإذا كانت مستقلة إلى حد اتخاذ قرارات مالية وإدارية تناقض صراحة قرارات مجلس الوزراء، فبأي صفة تُموَّل من المال العام؟ وبأي صفة تُدرج ضمن القطاع العام عند الحاجة إلى التمويل والدعم، وتُستثنى منه عند استحقاق الحقوق؟

التناقض ازداد حدّة مع خطوة وزير الصحة الحالي، الذي وجّه كتاباً إلى هيئة التشريع والاستشارات يستفسر فيه عمّا إذا كان يجوز تطبيق قانون الحد الأدنى للأجور المعتمد في القطاع الخاص على المستشفيات الحكومية، فجاء جواب الهيئة بالموافقة.

حسناً. إذا كانت هذه المستشفيات تخضع لقانون الحد الأدنى للأجور المعتمد في القطاع الخاص، فهل هي مؤسسات قطاع خاص؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا طُبّق عليها قانون سلسلة الرتب والرواتب الذي أُقر عام 2017 لموظفي القطاع العام، وطُبّق حينها على العاملين في المستشفيات الحكومية؟

كيف يمكن لمؤسسة واحدة أن تكون «عامة» عندما يتعلّق الأمر بالتمويل والرقابة، و«خاصة» عندما يتعلّق الأمر بالأجور والأنظمة؟ مرة تُعامل كمؤسسة عامة خاضعة لسلسلة الرتب والرواتب ومراسيم مجلس الوزراء، ومرة ككيان مستقل تُطبّق عليه قوانين القطاع الخاص، ومرة تُستثنى من الزيادات لأنها استثمارية، ومرة تمنح نفسها المثابرة والزيادات من المال العام.

أليس الأجدى بمجلس الوزراء أن يبدأ بتنظيف هذه المؤسسات من التوظيف غير القانوني، وأن يضمن للموظف القانوني حقوقه أسوة بسائر الموظفين القانونيين في الإدارات العامة، بدلاً من تكريس تمييز غير مبرر داخل القطاع العام نفسه؟

والمفارقة الأوسع أنّ الدولة، في الوقت الذي فرضت فيه زيادات على الرواتب، فرضت أيضاً ضرائب ورسوماً إضافية طالت الفئات الأكثر هشاشة وموظفي القطاع العام على حدّ سواء. أي أنّ الموظف القانوني في المستشفيات الحكومية المصنّفة «استثمارية» تحمّل عبء الضرائب الجديدة كما سائر الموظفين، لكنه حُرم في المقابل من الزيادات والمثابرة. دفع كأي موظف في الإدارة العامة، ولم يُنصف كأي موظف في الإدارة العامة.

يزداد الالتباس إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ هذه المستشفيات لم تُنشأ بأموال خاصة، بل أُنشئت وجُهّزت بالكامل من المال العام، وهي ملك للدولة وتابعة لوزارة الصحة العامة. وقد تلقت على مدى السنوات مساهمات مباشرة وسلفات خزينة وتجهيزات طبية ممولة من قروض دولية ومساعدات خارجية. فبأي منطق تُعامل عند التمويل والدعم كجزء لا يتجزأ من الدولة، ثم تُعامل عند استحقاق الرواتب ككيان مستقل يُستثنى من قرارات مجلس الوزراء؟

علماً أنّ رواتب العاملين في المستشفيات الحكومية غير الجامعية مماثلة لرواتب موظفي القطاع العام، وأدنى بكثير من رواتب المستشفيات الخاصة العادية، وأبعد بكثير من رواتب بعض المؤسسات العامة الاستثمارية الأخرى ذات الأجور المرتفعة جداً.

ولا يمكن إغفال البعد الرقابي والدستوري في هذه الفوضى. فالمؤسسات العامة ذات الطابع الاستثماري، وإن مُنحت هامشاً من الاستقلال المالي والإداري، تبقى خاضعة لوصاية الدولة ولمبدأ خضوع الإدارة للقانون. وأي إنفاق يتم خلافاً لاستثناء صريح ورد في مرسوم نافذ يطرح مسألة تجاوز حدّ السلطة، ويستدعي حكماً رقابة ديوان المحاسبة والمراجع المختصة. فمجلس الإدارة ليس سلطة موازية لمجلس الوزراء، ولا يمكن أن يتحول إلى مشرّع مالي داخل مؤسسته.

في المحصّلة، المشكلة باتت تتلخص في الخلل الكبير الذي أصاب منطق الدولة نفسه: دولة تستثني بمرسوم، وتموّل بمرسوم، تمنع بالنص وتدفع بالفعل، وتترك الموظف القانوني الحلقة الأضعف في منظومة متناقضة، فيما يبقى الثابت الوحيد أن المال المدفوع هو مال عام… أي مال المواطن.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.