بين بعبدا والسراي… سلاح الحزب يفضح ازدواجية القرار اللبناني

 

في أروقة السياسة اللبنانية، حيث تتقاطع الخطوط الحمراء مع الخطوط الدولية، يبرز تباينٌ واضح بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حول تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله والمليشيات الفلسطينية. فبينما يُصرّ سلام على الحسم عبر تفويض الجيش إعداد خطةٍ تنفيذية ملموسة، يبدو عون أكثر حذراً، مكتفياً بالوعد بـ«التقدّم رغم الصعوبات» من دون تحديد جدولٍ زمنيّ واضح.

هذا التباين يمسّ جوهر الدستور اللبناني ومسؤوليات الرئيس بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، ما يثير تساؤلاتٍ حول مدى التزام «الوعد الرئاسي» بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة.

خلفية الخلاف: من القرار 1701 إلى الاتفاق الأخير

يعود أصل النزاع إلى قرار مجلس الأمن رقم 1701  لعام 2006، الذي دعا إلى نشر الجيش اللبناني في الجنوب ونزع سلاح أي كيانٍ مسلّحٍ خارج إطار الدولة. ومع تصاعد التوترات الحدودية عام 2024، أفضى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله إلى اتفاقٍ دوليٍّ جديد تضمن آلياتٍ لنزع السلاح تدريجياً، بدعم من ضغوط أميركية وأوروبية.

وفي الخامس من آب 2025، أعلن مجلس الوزراء برئاسة سلام تفويضاً للجيش بصياغة خطة تنفيذية لـ«حصرية السلاح»، مشدّداً على أن «خطاب القسم والبيان الوزاري يؤكدان حق الدولة الحصري في احتكار السلاح». غير أن حزب الله ردّ بأنّه «سيتعامل مع القرار كأنه غير موجود»، ما يعكس حجم التحدّي أمام آلية التنفيذ.

أما المليشيات الفلسطينية في المخيّمات، فتمثّل جانباً آخر من المعادلة، إذ يطالب الاتفاق الدولي بتفكيك ترسانتها في الجنوب، وهو ما يتطلّب تنسيقاً بين الجيش والأجهزة الأمنية.

وهنا يبرز التناقض مجدداً: فسلام يدفع نحو خطةٍ شاملةٍ تشمل الجميع، بينما يرى عون أن الملف «شأنٌ داخلي» ويبرّر أحياناً بأن السلاح «ثقافة لبنانية»، رافضاً التدخل الخارجي المباشر، رغم وعوده السابقة لواشنطن والدول العربية ببدء مصادرة الأسلحة قريباً.

خطاب القسم: الوعد الذي يُقرأ بصوتين

عند تنصيبه رئيساً في كانون الثاني 2025، أدى جوزيف عون قسمه الدستوري أمام البرلمان معلناً: »أقسم على احترام الدستور والقوانين، وعلى المحافظة على استقلال الوطن وسيادته ووحدة أراضيه، وعلى حصر السلاح بيد الدولة وحدها».

هذا النص، المستمد من المادة 49 من الدستور، ليس مجرد صيغةٍ طقسية، بل التزامٌ قانونيٌّ يُحمّل الرئيس مسؤولية تنفيذٍ واضحة. وفي مقابلةٍ مع قناة «العربية» في آب 2025، أكّد عون أن «حصرية السلاح ستتحقق رغم الصعوبات والعوائق»، مشيراً إلى تنفيذ «مدرّجات خطاب القسم والبيان الوزاري». غير أن هذا الإصرار بدا مشروطاً بـ«الانتظار لخطة الجيش»، ما يوحي بأن الوعد الرئاسي يُقرأ بصوتين: أحدهما يُسمع في القاعات الدولية، والآخر يهمس في أروقة بعبدا.

مسؤوليات الرئيس: قائدٌ أم مراقب؟

بموجب الدستور اللبناني، يُعدّ الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة (المادة 49)، ما يفرض عليه مسؤولية مباشرة في ضمان سيطرة الدولة على السلاح، عبر إصدار الأوامر التنفيذية للجيش والتنسيق مع الحكومة في تطبيق خطة نزع السلاح. ويقع على عاتقه تحويل القرار الحكومي إلى واقعٍ ميدانيّ، خصوصاً مع الدعم الدولي المتزايد من عواصم عربية وغربية.

لكن تردّد عون يثير تساؤلات: هل يلتزم الرئيس فعلاً بالقسم الذي أدّاه، أم يتّخذ من «الصعوبات» ذريعةً لتأجيل التنفيذ؟ ففي الوقت الذي يحسم فيه سلام الموقف بتفويضاتٍ واضحة، يبدو عون كمن يدير أوركسترا بلا قائد؛ تُسمع الآلات لكن الإيقاع يتمايل بين الوعد والانتظار.

نحو حسمٍ أم إلى مزيدٍ من الانتظار؟

هذا التناقض إنما يُغذّي الشكوك حول قدرة النظام الجديد على فرض سيادته. فبينما يحظى أداء حكومة سلام التكنوقراطية بإشادةٍ دولية، يُنتقد النهج الرئاسي لكونه «كلاماً كثيراً وأفعالاً قليلة»، وفق توصيف بعض تقارير واشنطن.
فهل يُقصد بعبارة «الشأن الداخلي» تجنّب المواجهة؟ أم هي دبلوماسيةٌ تُخفي تردّداً قد يكلّف لبنان غالياً في ظل الضغوط الإقليمية المتزايدة؟

ومع تصاعد الدعم الدولي لقرار نزع السلاح، كما أكّدته الاجتماعات الأخيرة للرئاسات الثلاث، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيحوّل عون وعده القسمي إلى خطواتٍ ملموسة، أم سيبقى التناقض بين بعبدا والسراي مصدراً للتوتّر الداخلي؟

في لبنان، حيث يُقاس الاستقرار بقدرة الدولة على احتكار السلاح، يصبح أيّ تردّدٍ ليس مجرّد خطأ إداريّ، بل مخاطرةً استراتيجية. ربما حان الوقت لأن تتحوّل الوعود الرئاسية من صدى يُهمَس إلى فعلٍ يُلمَس، قبل أن يتحوّل التناقض إلى انقسامٍ يُعيد البلاد إلى مربّعاتها القديمة.

https://beirut2030.me/?p=1556

مقالات الكاتب

فراس بو حاطوم

ناشط مدني لبناني معروف بنشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي وبنشره منشورات تحقيقية وانتقادية تُعرّي ملفات فساد محلية.