حين تقول بريتوريا «لا»: أزمة أخلاقية في السياسة الأميركية

 

لم يطل صبر جنوب أفريقيا في الرد على نية الولايات المتحدة استبعادها من مجموعة العشرين بعد تسلّمها رئاسة الدورة. فسرعان ما جاء تصريح وزير الخارجية الجنوب أفريقي دونالد لامولا ليؤكد أن بلاده لن تخضع لضغوط واشنطن ولن تغيّر سياساتها تجاه قضايا العرق تبعًا لرغبات الإدارة الأميركية.

وفي المقابل، اختارت الرئاسة الجنوب أفريقية الرد بلهجة أكثر وضوحًا، مشيرة إلى أن بريتوريا «ستأخذ إجازة» من المجموعة خلال فترة الرئاسة الأميركية. وهو موقف يحمل دلالات سياسية أبعد من مجرد احتجاج دبلوماسي؛ إنه رسالة مباشرة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب بأن زمن الإملاءات قد انتهى، وأن جنوب أفريقيا، بتاريخها وتضحياتها، ليست دولة يمكن ابتزازها.

ومن الصعب فصل موقف واشنطن من جنوب أفريقيا عن سياستها العامة تجاه الدول التي ترفض الانخراط في الرواية الأميركية حول حرب الإبادة الجماعية التي تنفذها حكومة تل أبيب في غزة والضفة الغربية. فمنذ بداية العدوان، بدا واضحًا أن إدارة ترامب قررت الاصطفاف بلا مواربة خلف نتنياهو، محولة نفسها إلى المتحدث الرسمي باسم أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرفًا.

وفي المقابل، اختارت بريتوريا الدفاع عن القانون الدولي والتوجّه إلى محكمة العدل الدولية والجنايات الدولية لمحاسبة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة. وهذا التحرك القضائي أثار غضب واشنطن التي اعتادت، تاريخيًا، أن تفصل العلاقات الدولية وفق معايير مزدوجة تصون مصالحها حتى على حساب المبادئ.

إن سلوك إدارة ترامب ليس جديدًا؛ فنفس الضغوط مورست على فنزويلا، وسبق أن طُرحت تهديدات بغزوها. كما طالت الضغوط دولًا عربية عندما طلبت واشنطن علنًا استيعاب سكان قطاع غزة، وهو ما رفضته الأردن ومصر بشدة، لأن في ذلك محاولة واضحة لتصفية القضية الفلسطينية.

وفوق هذا كله، لم تتورع الإدارة الأميركية عن خطاب عنصري فجّ، سواء في تصريحات ترامب عن النائبة إلهان عمر أو في إشاراته الدونية تجاه مواطنين من أعراق آسيوية وأفريقية. وهي لغة لا تتناسب مع دولة تزعم قيادة النظام الدولي، بل تكشف خللًا داخليًا يتفاقم عامًا بعد عام.

في حين تتخذ دول كبرى مثل روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا مواقف صريحة من الجرائم في فلسطين، يصرّ ترامب على معاكسة التيار الدولي، متجاهلًا أن استمرار اتهاماته لجنوب أفريقيا بالتمييز العرقي لا يشكل إلا مفارقة مضحكة، فالرجل نفسه غارق في خطاب تقسيمي لا يليق بزمن يفترض أنه زمن ما بعد العنصرية.

الأخطر من ذلك أن إدارة ترامب تغض الطرف عن أكثر من 65 مؤسسة وجمعية أميركية تموّل الاستيطان في الضفة الغربية وتدعم اعتداءات المستوطنين. هذا الصمت لا يعني الحياد، بل مشاركة مباشرة في ترسيخ نظام فصل عنصري ديني-قومي يتعارض مع كل ما تدّعيه واشنطن من قيم.

إن ترامب بسياسته يجرّ حزبه إلى مسار محفوف بالمخاطر. فسياسات تقوم على التهديد والتعالي والعنصرية قد تعبئ القواعد الانتخابية لبعض الوقت، لكنها تدفع الولايات المتحدة إلى عزلة دولية متزايدة. والمفارقة أن الدول التي يهاجمها ترامب، مثل جنوب أفريقيا، هي اليوم في مقدمة المدافعين عن القانون الدولي، بينما تبدو واشنطن وكأنها تتخلى عن إرثها التاريخي لصالح نزوات رئيسها السابق.

فما هو المثل الذي ينطبق على ترامب؟

ليس أدق من المثل العربي القديم: «رمتني بدائها وانسلت» لوصف علاقة ترامب بالعالم. فهو يتهم الآخرين بما يمارسه هو؛ ينتقد التمييز وهو يغذّيه، ويدين «العنف» وهو يغطي أخطر أشكاله، ويطالب الآخرين بالالتزام بالقانون الدولي بينما ينسفه متى تعارض مع مصالحه السياسية.

إن العالم يتغيّر، والدول التي ترفض الخضوع للضغوط الأميركية تتزايد. وإذا لم تُعد واشنطن النظر في طريقة تعاملها مع شركائها، فقد تجد نفسها خارج الطاولة التي تسعى للجلوس على رأسها.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.