هل سيتمكن المحامون من مواجهة «النقابة العميقة» في صناديق الاقتراع؟

شبهات تطال البيانات المالية والمحفظة الاستشفائية والبطاقات «غير» الممغنطة

لم تكن الحرب على لبنان عام 2024 حرباً عبثية عابرة، بل محطة مفصلية كشفت هشاشة البنيان اللبناني بكل مؤسساته، حتى تلك التي طالما اعتُبرت حصناً للعراقة والثبات. فبين أنقاض المباني المهدّمة، والاقتصاد المنهار، والنفوس المتوترة، تأجّلت انتخابات نقابة المحامين في بيروت بحكم القانون والظرف، مُمدِّدةً ولاية أعضاء مجلس النقابة. غير أنّ ثمة تمديداً آخر لا يقلّ خطورة، هو تمديد “حجب الثقة” الذي أعلنت عنه الجمعية العامة عام 2023، عندما اهتزت للمرة الأولى العلاقة بين المحامين ومجلسهم، وانهارت معها صورة النقابة التي كانت تُقدَّم تاريخياً بوصفها نموذجاً للممارسة الديمقراطية والتقاليد المهنية الراسخة. لقد تراكمت الشكوك والاتهامات بفعل سنوات من التغاضي وإدارةٍ تُجيد الشفافية مع الظلام أكثر مما تجيدها مع أهل البيت.

واليوم، فيما يستعد المحامون لاختيار ممثليهم في السادس عشر من الشهر الحالي، لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع حاملين أسماء المرشحين فقط، بل يحملون سؤالاً جوهرياً: هل ستبقى النقابة درعاً للمحامين وللسيادة القانونية؟ أم ستتحول إلى “صندوق انتخابي” كبير تُدار فيه ملايين الدولارات بأساليب بدائية، وتُخفى فيه العقود خلف ستار “الهيبة”؟

الجمعية العامة قالت «لا»… والمجلس تجاهل القرار

في عام 2023 شهدت قاعة اجتماعات نقابة المحامين حدثاً غير مسبوق في تاريخها: رفضت الجمعية العامة المصادقة على البيانات المالية المقدمة من مجلس النقابة. كان ذلك قراراً استثنائياً، شكّل صرخة عالية ضد منهجية إدارة أموال المحامين. غير أنّ تفسير ما جرى انقسم بين روايتين متناقضتين:

  • الرواية الرسمية التي يروّجها أعضاء المجلس وبعض المقرّبين تقول إنّ الأزمة تمحورت حول رفض زيادة الرسم السنوي إلى 400 دولار في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وكأن المحامي الذي يدفع من جيبه كل يوم للطباعة والتنقل ومتابعة القضايا، انحصر اعتراضه في مجرد رسم مالي، متجاهلين أن الاعتراض كان أعمق: كان على مبدأ إدارة المال نفسه.
  • أما الرواية الواقعية التي تتناقلها الأوساط المهنية، فتشير إلى أن الرفض كان نتيجة فقدان الثقة بالنقيب وبالمجلس على حدٍّ سواء، بعد أن بدأت النقابة تُدار وكأنها ملكية خاصة لمجموعة صغيرة، في ظل بيانات مالية تُقدّم بطريقة غير مهنية ولا تستند إلى معايير محاسبية واضحة، فيما تتعامل النقابة سنوياً بعشرات الملايين من الدولارات. كيف يمكن للجمعية العامة أن تصادق على بيانات تُشبه “الترقيع”، خاصة حين يجري إدخال أعداد ضخمة من المحامين الجدد فقط لتجميل الصورة المالية، بينما الواقع يغرق في أزمة بنيوية حقيقية؟

وتقول مصادر متابعة إنّ مجلس النقابة تعامل مع قرار الجمعية العامة باستخفاف، وكأنه مجرّد حادث عابر لا يمسّ شرعيته أو أداءه. القرار الذي كان يجب أن يكون جرس إنذار للإصلاح والمحاسبة، أُهمل داخل أدراج ما يمكن تسميته بـ “النقابة العميقة” التي تحاول اليوم استعادة زمام المبادرة من خلال ترشيح أمين الصندوق – المسؤول عن البيانات المالية التي رُفضت – إلى منصب نقيب المحامين.

الفاتورة الاستشفائية: من “نظرية الوفر” إلى “واقع الشبهات”

في قلب الأزمة المالية، تقبع فاتورة التأمين الصحي كأحد أبرز الجراح النازفة. فبين ليلة وضحاها، تحوّل الصندوق الذي كان يحقق “وفراً” حقيقياً تحت إشراف لجنة مالية مشهود لها بالكفاءة، إلى عبء ثقيل يرهق المحامين. وبدل أن ينال المحامي خدمات تليق بمهنته ومكانته، أصبح يدفع أكثر ليحصل على أقل، بينما يتحوّل الردّ الأول على كل طلب استشفائي إلى رفضٍ تلقائي، قبل أن يتدخل “فارس الأحلام” من أحد أعضاء المجلس لتسوية الأمر “مِنّةً” لا حقّاً. وذلك وسط إصرار غريب من مجلس النقابة على تكرار الخطأ نفسه عاماً بعد عام، مهما كان الثمن.

في نقابة المحامين في بيروت، جرت تنازلات مالية مشبوهة لصالح شركة الإدارة، وغُضّ النظر عن مستحقات وعوائد وفروقات مالية كبيرة. بدأ الأمر بالتنازل غير المبرّر عن كفالة تقدّر بعشرة ملايين دولار، وصولاً إلى استبعاد أعضاء اللجنة المالية أصحاب الخبرة، بعد انتقادهم طريقة إدارة المحفظة الاستشفائية. فارتفعت الأسئلة المشروعة: أين الرقابة على فواتير المستشفيات؟ ولماذا يُستبعد كل من يطالب بالتدقيق؟ وسؤال أبسط من ذلك كله: إذا كان الصندوق سليماً… فلماذا يهرب منه من يديرونه؟

هكذا تحوّل الصندوق الاستشفائي التعاوني من أداة للحماية الاجتماعية إلى ما يشبه “سوق عكاظ”: خطاباتٌ طنانة، ووعود براقة، وحلول غائبة. وكأن هناك “مافيا تأمين” تستنزف أموال النقابة وأعضاءها. وكلما أُشير إلى مواطن الخلل، ازداد التضييق على من يكشفها، وكأن المطلوب دفن الرؤوس في الرمال، أو الاكتفاء ببعض الدعوات والولائم التي لا تمثل إلا فتاتاً مقابل ما يُهدر للحفاظ على الوضع القائم.

البطاقة النقابية “غير ممغنطة”… والعمولات للمؤسسات المالية

لكن القصة لا تنتهي هنا. ففي زمن الانهيار، حيث أصبح كل دولار قضية بقاء، ووسط أزمة الودائع التي طالت ودائع نقابة المحامين نفسها والتي تناهز 200 مليون دولار، ظهر مشروع “البطاقة النقابية الإلكترونية” كعنوان للتحديث الرقمي… قبل أن يتحوّل إلى مصدر للشكوك والغضب.

فقد جرى إطلاق المشروع تحت شعار “الانتقال إلى العصر الرقمي”، لكنه سرعان ما بدا كمنصة لإلزام المحامين بالتعامل مع مصرف يرأس جمعية المصارف نفسها. ثم تبيّن أن البطاقة التي قيل إنها “ممغنطة” ليست كذلك، وأن سعرها المحدّد بـ20 دولاراً يتجاوز كلفتها الفعلية التي لا تتعدى 7 إلى 10 دولارات. فأين يذهب الفارق؟ ولمن تُدفع العمولات؟

ولم تقتصر التساؤلات على السعر، بل طالت الشركة المورّدة: “بوب فينانس” (Bob Finance) التابعة لبنك بيروت ورئيس مجلس إدارته سليم صفير. ففي بلد يرزح تحت أزمة مالية خانقة وشبهات مصرفية واسعة، يجد المحامون أنفسهم مجبرين على استعمال بطاقة تحمل شعار مؤسسة مالية يشكو منها المودعون أنفسهم.

بل تعدّى الأمر البطاقة إلى إلزام ربط معظم خدمات النقابة بها: من دفع الرسوم السنوية إلى حضور محاضرات التدرّج. وهكذا تحوّلت البطاقة من خدمة اختيارية إلى أداة احتكار مالية توزّع عمولات سخية على مؤسسات مصرفية، في حين تبحث صناديق النقابة عن السيولة.

النقابة العميقة… وتوريث المقاعد

وراء الأزمات المالية والشبهات المتراكمة، تكمن المعضلة الأعمق: “النقابة العميقة”. وإذا كانت “الدولة العميقة” تتحكم بها الطبقة السياسية، فإن “النقابة العميقة” تتحكم بها حلقة ضيقة من الأشخاص تتداول المراكز والمواقع فيما بينها، وتورّث المقاعد كما لو كانت ملكية خاصة، بعيداً عن روح المهنة وتنوّعها ودورها الوطني.

هذا العام، ظهرت على السطح ظاهرة البذخ الفاقع في الإنفاق الانتخابي، الذي يُعاد تعويضه لاحقاً عبر الوكالات السنوية وعقود التحكيم وإدارة الملف الصحي، ما يخلق حلقة مغلقة من المصالح ترتكز على تبادل النفوذ لا على خدمة الجسم النقابي.

في هذه الدائرة، ينحدر الخطاب النقابي من لغة القانون والالتزام العام إلى لغة الاستعراض والتنمّر الفارغ. وتغيب المحاسبة، فلا يُسأل النقيب ولا يُسأل العضو المنتخب عن وعوده بعد الفوز، لأن التحالفات السياسية تصبح هي المرجع والفصل، لا البرامج ولا المبادئ ولا المصلحة المهنية.

الخيارات: بين “كسر السلسلة” و”التدقيق المقرون بالمحاسبة”

أمام هذا المشهد القاتم، يقف المحامون اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:

  • الاستمرار في سياسة “الاستمرارية والمحبة” و”عدم كسر السلسلة”، والتصويت بثقة لمجلس يعِد بالحفاظ على “الهيبة”، بينما يواصل النهج نفسه الذي أوصل النقابة إلى أزمتها الحالية.
  • أن تقول الجمعية العامة “كفى”؛ أن تصوّت بـ”لا” مرة أخرى على البيانات المالية غير المنشورة حتى اللحظة؛ أن ترفض منح الثقة لمن لا يقدمون ضمانات واضحة بالشفافية والإصلاح؛ وأن تطالب بتدقيق مالي مستقل وبإعادة هيكلة جذرية للصندوق الاستشفائي وآليات اتخاذ القرار.

في 16 تشرين الثاني، لن يختار المحامون أسماء مرشحين فحسب، بل سيختارون هوية نقابتهم: هل ستكون نقابة الشفافية والمساءلة التي تحمي حقوق أعضائها وتحافظ على هيبة المهنة؟ أم ستبقى صندوقاً انتخابياً كبيراً تُدار فيه الملايين بعقلية القرون الوسطى، وتُخفى فيه الشبهات خلف شعارات “الزمالة” و”الود”؟

الساعة تدقّ. والنار تحت الرماد لا تزال قابلة للاشتعال. وما هو على المحك ليس مقعداً ولا موقعاً… بل هيبة واحدة من أعرق نقابات المهن الحرّة في لبنان.

ملاحظة: في إطار احترام حق الرد، نضع التقرير مفتوحاً أمام الجهات المعنية لتقديم ما يلزم من إيضاحات أو بيانات مكمّلة.

مقالات الكاتب

إميل خلف

كاتب مختص في الشؤون القانونية والقضائية.