لنكن صريحين. الخطر لا يطرق الباب، بل يدخل بيتك عبر شاشة صغيرة في يد طفلك. نحن لا نتحدث عن تطبيقات بريئة، بل عن عالم مفتوح بلا سقف، بلا فلترة، وبلا رحمة. طفلك اليوم يتصفح TikTok، ينتقل إلى Instagram، ثم يغرق في مقاطع YouTube، فيما خوارزميات هذه المنصات لا تسأل عن عمره، ولا عن براءته، ولا عن قيمه، بل تطرح سؤالًا واحدًا فقط: ما الذي يجعله يبقى أطول؟ ولو كان المحتوى مليئًا بالعنف، مشبعًا بالإيحاءات، مروّجًا لسلوكيات منحرفة، أو صادمًا ومشوّهًا للفطرة، فلا مشكلة، المهم أن يشاهد.
الخطر الحقيقي ليس في الهاتف بحد ذاته، بل في الغفلة. أطفالنا اليوم يتعلمون من الشاشة أكثر مما يتعلمون منا، ويتشكّل وعيهم من “الترند”، وتتحدد قيمهم بعدد الإعجابات، وتُقاس ثقتهم بأنفسهم بعدد المتابعين. إنهم يرون أجسادًا مثالية مزيّفة، وحياة فاخرة مصطنعة، وتحديات خطيرة تُقدَّم على أنها شجاعة، ووقاحة تُسوَّق على أنها جرأة، ثم نتساءل لاحقًا لماذا تغيّر سلوك الابن، ولماذا أصبحت الابنة منطوية، ولماذا قلّت ثقة الأطفال بأنفسهم، فيما الحقيقة المؤلمة أننا تركنا الشاشة تُربيهم.
ولا يقل خطر التنمّر الإلكتروني فتكًا، فهو الجريمة التي لا نراها. كلمات تُكتب خلف شاشة قد تُحطّم طفلًا من الداخل. سخرية وإهانات ومقارنات وضغوط نفسية تتراكم بصمت، والطفل لا يُخبر دائمًا، بل يصمت، وينعزل، ويتألّم وحده، فيما نحن نظن أنه “فقط يمسك هاتفه”.
إلى كل أبٍ وأم: استيقظوا. الرقابة ليست قمعًا، بل حب، والمتابعة ليست شكًّا، بل حماية. لا يجوز إعطاء الطفل هاتفًا ذكيًا من دون وعي، ولا من دون تحديد وقت واضح للاستخدام، ولا من دون معرفة فعلية بما يتابعه، ولا من دون حوار يومي صادق عمّا يراه، ولا من دون تفعيل أدوات الحماية الأبوية، وقبل كل ذلك من دون أن يكون الأهل أنفسهم قدوة في طريقة استخدامهم للتكنولوجيا. لا تقولوا إن جميع الأطفال لديهم هواتف، فالسؤال ليس ماذا يفعل الآخرون، بل هل نحمي أبناءنا أم نتركهم لمصير مجهول.
الحقيقة المؤلمة أن أبناءنا، إذا لم نُربِّهم نحن، ستُربيهم الخوارزميات، وإذا لم نزرع فيهم القيم، سيزرع فيهم الإنترنت ما يشاء. أطفالنا أمانة، وعيهم أمانة، وبراءتهم أمانة، والإهمال اليوم سندفع ثمنه غدًا أضعافًا. ليس المطلوب أن نحارب التكنولوجيا، بل أن نقود أبناءنا داخلها، لا أن نتركهم يضيعون فيها. فلنكن آباءً يقظين قبل أن نصبح نادمين.

جورج الزغبي
ناشط إعلامي
