من يعرقل تحويل زراعة القنب في لبنان إلى فرصة إنقاذ اقتصادي؟

زراعة القنب لأغراض استشفائية في لبنان ليست فكرة طارئة، بل ملف مطروح رسميًا منذ سنوات، ويرتبط بشكل وثيق بالتنمية الريفية وبمحاولة تنظيم سوق كان قائمًا أصلًا خارج الإطار القانوني.

ففي عام 2020، أقرّ مجلس النواب قانون تشريع زراعة القنب لأغراض طبية وصناعية حصرًا، مستبعدًا الاستخدام الترفيهي، واضعًا نصب عينيه تنظيم الزراعة، وإنشاء هيئة ناظمة، ومنح التراخيص، وضبط عمليات التصنيع والتصدير. غير أنّ هذا الإطار التشريعي بقي حتى اليوم شبه معلّق، إذ لم يواكبه تنفيذ فعلي على الأرض، بفعل التأخر في إنشاء الهيئة الناظمة وتعيين أعضائها، إلى جانب الخلافات السياسية والإدارية، والأزمة المالية والانهيار المصرفي، فضلًا عن الحاجة إلى مراسيم تطبيقية واضحة ومتكاملة. وبهذا المعنى، يمكن القول إن القانون قائم نظريًا، فيما التطبيق العملي لا يزال محدودًا جدًا.

من الناحية الاقتصادية، يَطرح هذا القطاع إمكانات واعدة لزيادة إيرادات الدولة إذا ما جرى تنظيمه وفق معايير شفافة. فالتشريع يفتح الباب أمام استيفاء رسوم على التراخيص، وفرض ضرائب على الإنتاج والتصنيع والتصدير، إضافة إلى إمكانية التصدير إلى أسواق أوروبية في حال الالتزام بالمعايير الصحية والفنية المطلوبة. كما يتيح خلق فرص عمل في مجالات الزراعة والصناعات الدوائية والخدمات اللوجستية، وقد يشكّل عامل جذب لاستثمارات خارجية في بلد يعاني من شحّ حاد في رؤوس الأموال. غير أنّ تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يبقى مشروطًا بتوافر حدّ أدنى من الاستقرار الأمني والقضائي، وبالقدرة على ضبط التهريب، وإقامة شراكات فعلية مع شركات أدوية عالمية، وتأمين مستوى عالٍ من الشفافية يمنع الاحتكار ويحول دون تحويل القطاع إلى حلبة جديدة لتقاسم النفوذ.

أما على صعيد التنمية الريفية، ولا سيما في المناطق البقاعية، فإن زراعة القنب تحمل بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية. فهذه المناطق تمتلك خبرة تاريخية طويلة في هذا المجال، وإذا ما جرى تنظيم القطاع بشكل عادل، يمكن تحويل الزراعة من نشاط غير رسمي إلى مصدر دخل قانوني ومستدام، بما يتيح دعم المزارعين الصغار بدل حصر التراخيص بكبار المستثمرين، وتشجيع إنشاء تعاونيات زراعية، وإدخال صناعات تحويلية محلية بدل الاكتفاء بتصدير المادة الخام. غير أنّ هذا المسار لا يخلو من مخاوف حقيقية، أبرزها احتمال استفادة الشركات الكبرى وحدها من الإطار القانوني الجديد، مقابل تهميش المزارعين التقليديين الذين شكّلوا العمود الفقري لهذا القطاع لعقود طويلة.

في المحصلة، يبقى السؤال عن موعد انطلاق هذا المشروع فعليًا مرتبطًا بعوامل سياسية أكثر منها تقنية. فالتقدم يتطلب استكمال تشكيل الهيئة الناظمة، وإصدار جميع المراسيم التطبيقية، وفتح باب التراخيص وفق آليات شفافة وواضحة. وفي حال تحقق حدّ أدنى من الاستقرار الحكومي، وتوافر ضغط اقتصادي جدي يدفع نحو البحث عن مصادر دخل جديدة، قد يشهد هذا الملف تحريكًا سريعًا، نظرًا إلى ما يحمله من إمكانات في ظل الأزمة المالية الخانقة.

وبين الفرصة والمخاطرة، يتوقف مصير زراعة القنب لأغراض استشفائية في لبنان على طريقة إدارتها. فإذا أُدير المشروع بصورة منظمة وشفافة، مع حماية المزارعين الصغار وإخضاع القطاع لرقابة صحية صارمة، فإنه قد يشكّل فرصة اقتصادية حقيقية للبنان، مستندًا إلى ميزة تنافسية زراعية قائمة. أما إذا أُدخل في منطق المحاصصة والاحتكار، فلن يكون مصيره مختلفًا عن مصير ملفات كثيرة ضاعت بين الحسابات السياسية الضيقة.

مقالات الكاتب

جورج الزغبي

ناشط إعلامي