لماذا لم تعد إسرائيل تُبالي بتهديدات حزب الله؟

تبدو إسرائيل، بعد شهور طويلة من المواجهات الممتدة من غزة إلى الحدود اللبنانية، في موقف لا يعكس فقط جرأة عسكرية، بل محاولة لفرض معادلة سياسية جديدة تتجاوز مرحلة الردع التقليدية التي حكمت علاقتها بحزب الله لسنوات.

فالعمليات التي نفذتها مؤخرًا داخل العمق اللبناني، وعمليات الاغتيال الدقيقة التي طالت شخصيات محورية داخل الحزب، تؤكد أن إسرائيل تتعامل مع الساحة الشمالية باعتبارها ساحة مفتوحة لإعادة رسم حدود الأمن القومي من منظورها الخاص.

رغم أن حزب الله أثبت في حرب 2006 قدرته على تغيير قواعد الاشتباك، إلا أن إسرائيل اليوم تتصرف بناء على تقييم مغاير تمامًا. فهي ترى أن تراكم الضغوط على الحزب — بين الاستنزاف اليومي على الحدود، والخسائر البشرية، والتحديات الاقتصادية والسياسية داخل لبنان — قد خلق واقعًا يجعل الحزب في موقع دفاعي لا هجومي. ومن هنا تجد إسرائيل نفسها أقل اكتراثًا بتهديداته وأكثر ميلاً للمبادرة، حتى وإن شمل ذلك عمليات ذات تكلفة عالية.

البعد الأميركي: مهلة سياسية وغطاء عملياتي

الولايات المتحدة لعبت دورًا حاسمًا في هذه المرحلة. فالمهلة التي حددتها لنزع السلاح جنوب الليطاني جاءت في سياق سياسي، لا باعتبارها أداة تنفيذ واقعية، بل كوسيلة تمنح إسرائيل هامش حركة واضحًا.

واشنطن تمنع حربًا إقليمية واسعة، لكنها في الوقت نفسه لا تعترض على عمليات محدودة تهدف إلى تقليص قدرة الحزب وتعزيز أمن إسرائيل. وبالتالي، فإن إسرائيل تتحرك ضمن سقف أميركي محسوب: حرب شاملة ممنوعة… لكن الضربات العميقة مسموح بها طالما تخدم هدف “تحجيم” الحزب.

فكرة المنطقة العازلة… إعادة إنتاج مشروع قديم

لطالما حلمت إسرائيل بحدود آمنة خالية من وجود عسكري لحزب الله. وبعد الحرب الأخيرة، بدا أنها ترى الفرصة سانحة لإحياء هذا المشروع، لكن بطريقة مختلفة: منطقة عازلة تُفرض بالقوة لا بالتفاوض.

ولذلك جاءت ضرباتها داخل العمق اللبناني محاولة لإبعاد الحزب عن الشريط الحدودي لمسافة تضمن لها تفوقًا ميدانيًا واستقرارًا تعبّر عنه بلهجة سياسية متعالية. فهل تراجعت قدرات الحزب أم تراجعت خياراته؟

المتابع الدقيق يدرك أن قدرات الحزب العسكرية لم تنهار، لكن خياراته ضاقت. فالحزب يقاتل اليوم ضمن معادلة دقيقة: الرد دون الانجرار إلى حرب؛ إثبات الوجود دون توسيع رقعة المعركة؛ الحفاظ على تماسك الداخل اللبناني المتهالك؛ ومراعاة الإطار الإقليمي المتشابك مع إيران وسوريا والعراق. وهذا التقييد الموضوعي يجعل إسرائيل أكثر جرأة، لأنها تدرك أن الحزب يحسب خطواته بدقة شديدة.

الدولة اللبنانية… بين العجز والضغط الخارجي

الضغط الإسرائيلي على الدولة اللبنانية — عبر الحديث عن مسؤوليات الجيش ونزع السلاح — ليس ضغطًا واقعيًا بقدر ما هو ذريعة سياسية. فإسرائيل تعلم جيدًا أن الدولة غير قادرة على تطبيق هذه المطالب، لكنها تستخدم هذا العجز لتبرير استمرار عملياتها. وقد تعاملت ببرود كامل مع المبادرات اللبنانية التي حاولت تقديم مخارج سياسية، لأنها ببساطة ترى أن الواقع الميداني الذي تفرضه أقوى من أي تفاهمات.

المشهد القادم: وقائع تتشكل على الأرض

وفق قراءة جيوسياسية متعمقة، فإن السيناريو المرجح يتمثل في:

  • استمرار العمليات الإسرائيلية داخل لبنان دون التصعيد إلى حرب مفتوحة.
  • تثبيت شريط أمني بحكم الأمر الواقع يبعد الحزب عن حدودها.
  • تصعيد الضغط السياسي الأميركي على بيروت لضبط الحزب ولو شكليًا.
  • استمرار الحزب في ردوده المحسوبة دون فتح الباب لحرب شاملة.

إنها معادلة توازن هش، لكنها معادلة تدرك فيها إسرائيل أنها صاحبة المبادرة.

إسرائيل لم تعد تبدي اكتراثًا بتهديدات الحزب لأنها مقتنعة بأن اللحظة الراهنة هي الأنسب لفرض واقع أمني جديد: لبنان غارق في الانهيار؛ الحزب مثقل بالمعارك والضغوط؛ واشنطن توفر الغطاء؛ والإقليم يعيش لحظات تشكل جديدة.

ولذلك تسعى إسرائيل إلى صياغة معادلة تقول فيها بوضوح: ما عجزت عنه السياسة… يُفرض عبر الميدان…،!!

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.