الجمارك تحت المجهر بعد تعيين غراسيا قزي

تمثّل الجمارك العمود الفقري لحماية الاقتصاد، والأمن الغذائي، والصحي في لبنان، إذ تشكّل الأداة الأساسية لضمان تدفّق الموارد بشكل سليم، ومنع تهريب السلع والأموال. فأي ضعف أو تقصير في الرقابة يفتح ثغرات قابلة للاستغلال، ويترك انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الوطني والأمن العام.

من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى آليات دقيقة وشفافة داخل المؤسسات، تضمن التدقيق والمحاسبة، وتحمي المواطنين، وتعزّز الثقة بالهيئات الرسمية، إلى جانب العمل المستمر على تحسين الأداء الإداري والرقابي. فالفساد أو ضعف الرقابة لا يقتصر أثره على خلل إداري، بل يفتح الطريق أمام استغلال ممنهج للثغرات، ويزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل تعزيز الرقابة ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.

لقد ارتبطت الكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها لبنان منذ عام 2019 ارتباطًا وثيقًا بمستوى الرقابة الجمركية، وبانتشار التهريب، وبالصمت الرسمي في مواجهة هذه التحديات. فكل عملية تهريب أو تقصير إداري توسّع فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين، وتُضعف المؤسسات الوطنية، وتؤثّر على الأمن والاقتصاد، مفاقمةً الأزمات، ومُعرّضة المواطنين لمخاطر متتالية. ويُظهر تحليل هذه المرحلة الحاجة الملحّة إلى إصلاح شامل للرقابة الجمركية، وإلى مراجعة دور الأجهزة الرقابية، والقوانين، والإجراءات المعتمدة، بما يضمن حماية الدولة والمجتمع من تداعيات الفساد أو الإهمال الإداري.

الأزمة الاقتصادية التي انفجرت عام 2019 أثّرت بشكل بالغ على حياة اللبنانيين، إذ انهارت العملة الوطنية، وتوقّفت أو تراجعت خدمات أساسية، وانخفضت القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات غير مسبوقة. واجهت المستشفيات والضمان الاجتماعي صعوبات جدّية في تقديم الدعم، فيما تراجع تمويل التعليم في الخارج، ما وضع الطبقتين الوسطى والفقيرة أمام تحديات قاسية. وقد أكدت هذه الوقائع مجتمعة أهمية دور مؤسسات الدولة في حماية المجتمع واستقراره الاقتصادي والاجتماعي، وضرورة تعزيز الرقابة والإدارة الرشيدة لمواجهة أي هزّات اقتصادية مستقبلية.

وقبل انفجار الأزمة، كشفت ندرة الدولار عن عمليات تهريب أموال عائدة لنافذين إلى مصارف أوروبية، ما زاد من صعوبة مواجهة الانهيار الاقتصادي. فقد أدّى فقدان هذه الموارد إلى تأثير مباشر على تدفّق العملة الصعبة، وأسهم في تعميق الانكماش الاقتصادي، مسلّطًا الضوء على ضعف الرقابة المالية والجمركية، وعلى عجز المؤسسات عن منع استغلال الثغرات. ويبيّن تحليل هذه الأحداث أهمية تعزيز آليات الرقابة المالية والإدارية والجمركية، لحماية الاقتصاد الوطني من التأثيرات السلبية، ولضمان إدارة موارد الدولة والمواطنين بطريقة شفافة وقانونية.

أما انفجار مرفأ بيروت عام 2020، فقد أودى بحياة العشرات، ودمّر ممتلكات آلاف المواطنين، وأوقف جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي في العاصمة. وكانت مادة نترات الأمونيوم من بين المواد التي لم يُتعامل معها وفق الإجراءات الصارمة المفترضة، ما أظهر الحاجة الملحّة إلى تعزيز الأطر التنظيمية، ومراجعة آليات الرقابة على المواد الخطرة، لضمان الالتزام بمعايير السلامة، وحماية الأرواح والممتلكات، وإعادة الثقة بقدرة الدولة على ضبط المخاطر الأمنية والصناعية بشكل فعّال.

كما أثّر تدهور العلاقات اللبنانية – الخليجية بشكل مباشر على الاقتصاد، والصناعة، والزراعة، ولا سيما في ظل قضايا تهريب المخدرات والكبتاغون، على الرغم من أن السلطات نجحت في ضبط بعض الشحنات قبل وصولها إلى وجهتها. غير أن ضعف الرقابة يخلق فجوات خطرة تنعكس سلبًا على الاقتصاد والدبلوماسية، ويبرز الحاجة إلى تطوير الأجهزة الرقابية لضمان سلامة الصادرات وحماية العلاقات الدولية.

وقد أدّى وقف التصدير إلى دول الخليج بين عامي 2019 و2021 إلى خسارة أسواق حيوية، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، وانخفاض قيمة العملة، وخسارة أرباح المصدرين والمزارعين، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع تدفّق العملة الصعبة، وزيادة الضغط على الميزان التجاري، ما أكّد هشاشة النظام الاقتصادي اللبناني أمام الصدمات الخارجية.

إن مجمل هذه الوقائع يوضح الدور المحوري للجمارك في حماية الاقتصاد، والغذاء، والصحة، والأمن. فأي ضعف في هذه المؤسسة يهدّد الدولة والمواطنين على حد سواء، ويزيد من هشاشة المؤسسات أمام الأزمات المتلاحقة. وقد أثبتت ست سنوات من التحديات المتراكمة الحاجة الملحّة إلى إصلاح بنيوي للمؤسسات، وتعزيز الرقابة، وتكريس قدر أعلى من الشفافية، واعتماد إجراءات فعّالة تضمن استدامة النظام الاقتصادي، وحماية حقوق المواطنين من دون أي تقصير أو إخفاق مؤسسي. وفي هذا الإطار، تبرز حاجة المواطنين إلى متابعة جدّية من السلطات القضائية والإدارية، لضمان محاسبة المسؤولين وفقًا للقانون.

في هذا السياق، برز اسم غريسيا قزي من خلال ملفين أساسيين: الأول يتعلّق بشبهات فساد إداري ومالي، حيث جرى اتخاذ إجراءات احترازية قضت بمنعها مؤقتًا من مزاولة العمل، ولا يزال الملف قيد المتابعة ولم يُحسم بعد. أما الملف الثاني، فيرتبط بتفجير مرفأ بيروت، إذ جرى استدعاؤها ضمن التحقيقات الجارية، وأُعيد إدراج اسمها بعد استئناف التحقيق، ما يعكس متابعة دقيقة للملفات القانونية، وحجم الرقابة القضائية المفروضة على المعنيين. وتُظهر هذه الإجراءات طبيعة النظام القضائي في التعامل مع الملفات الحساسة، من دون إصدار أحكام مسبقة، مع الالتزام الكامل بالأصول والإجراءات القانونية.

وسط هذه الوقائع والملفات القضائية المفتوحة، جاء تعيين قزي مديرة عامة للجمارك، في قرار يسلّط الضوء على التحديات البنيوية التي تواجه النظام الإداري اللبناني، ويثير تساؤلات مشروعة حول فعالية الرقابة والشفافية المؤسسية. ويبرز هذا القرار الحاجة الملحّة إلى تعزيز آليات الرقابة، ودفع مسار الإصلاح الإداري بشكل جدّي، بما يضمن حماية الاقتصاد والمواطنين، والالتزام الكامل بالقوانين والإجراءات النافذة، ويؤكد أن الشفافية والمحاسبة المؤسسية تشكّلان الركيزة الأساسية للحفاظ على ثقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها.

مقالات الكاتب

شفيق حبيب

ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.