في زمن بناء التكتلات الاقتصادية العملاقة، وتخطي الدول “موضة” إزالة الحواجز الجمركية لتسهيل تبادل بضائعها، والانتقال للعمل على تسوية مدفوعاتها بالعملات الوطنية، “تدفن” الدول العربية واحدة من أعظم وأقدم الاتفاقيات التجارية فيما بينها تحت تراب الخلافات البينية. فاتفاقية التيسير العربية، التي بدأ العمل عليها مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وقبل عقود على نشوء الاتحاد الأوروبي، ومجموعة “بريكس”، وقمة “شنغهاي”، واتفاقية “نافتا”… وغيرها من التجمعات، تحتضر. والعديد من الدول الأعضاء، ومنها لبنان، لا تنفك تطالب بتجميد العمل بالاتفاقية، كونها تؤثر في مصالحها وتعيق أي تقدم في قطاعاتها الإنتاجية. فهل تخطّى الزمن حقاً هذه الاتفاقية، وأصبح لزاماً على الدول إيجاد بدائل أكثر عملية؟
قبل أيام، طالب “اللقاء الوطني للهيئات الزراعية في لبنان” برئاسة جهاد بلوق، بتجميد اتفاقية التيسير العربية لمدة خمس سنوات، وحصر التبادل الزراعي بالاتفاقيات الثنائية، ضمن جهودهم لدعم الإنتاج المحلي وحماية القطاع الزراعي اللبناني. وعقب اجتماع موسع بين اللقاء ووزير الزراعة د. نزار هاني، شدد الوزير على وقف العمل بالاتفاقية من ضمن مجموعة أخرى من المطالب كفرض الحصول على إجازة مسبقة قبل استيراد الخضار لحماية الإنتاج المحلي المحلي.
تكرار المطالب القديمة
ليست الدعوة إلى تجميد العمل بالاتفاقية الأولى من نوعها بالنسبة إلى القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعية والصناعية، ومن المؤكد أنها لن تكون الأخيرة. فقبل سنوات طويلة، أوصت لجنة الزراعة النيابية بتأجيل تطبيق اتفاقية التيسير العربية لمدة خمس سنوات، وذلك قبل دخول لبنان في مهلة الخمسين يوماً الفاصلة عن بدء المرحلة الأخيرة من تطبيق الاتفاقية.
وفي اجتماعها المنعقد في تشرين الثاني 2004، أقرت اللجنة أن “الحكومة لم تعمد إلى أي إجراء لتأهيل القطاع الزراعي اللبناني لكي يواكب تطبيق هذه الاتفاقية، التي تنص بشكل أساسي على استيراد السلع وانسيابها بين الدول العربية من دون أي حواجز جمركية أو رسوم حمائية. فإذا دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في مرحلتها الأخيرة، فسوف يؤدي ذلك إلى إغراق السوق اللبنانية بالبضائع الزراعية العربية المستوردة، مما يؤدي إلى القضاء على القطاع الزراعي بشكل كامل”.
تاريخ الاتفاقية
يعود تاريخ إعداد اتفاقية التيسير العربية إلى العام 1982، حيث كان الهدف وضع إطارٍ عملي وزمني لتعزيز التجارة بين الدول العربية، عبر تحرير السلع المتبادلة من الرسوم الجمركية والقيود غير الجمركية. وتهدف الاتفاقية إلى تسهيل حركة السلع بين الدول الأعضاء من خلال إلغاء الرسوم الجمركية، وتقليل القيود والإجراءات غير الجمركية، وتوحيد قواعد المنشأ للسلع لتسهيل الاستفادة من الإعفاءات، بالإضافة إلى منح تسهيلات خاصة للدول الأقلّ نمواً لدعم اقتصاداتها.
وقد انضم إلى الاتفاقية سبع عشرة دولة هي: الأردن، الإمارات، البحرين، تونس، الجزائر، السودان، سوريا، العراق، سلطنة عُمان، فلسطين، قطر، لبنان، الكويت، ليبيا، مصر، المغرب، واليمن. وكان لبنان من أوائل الدول المشاركة، حيث وقّع البرلمان على الاتفاقية بشكلٍ رسمي في العام 1985. إلا أن هذا القانون، وعلى شاكلة مئات القوانين المعلّقة التنفيذ، ظلّ من دون مراسيم تطبيقية حتى العام 1998، حين صدرت مراسيمه بقرارٍ تنفيذي عن مجلس الوزراء.
وقد نصّ قرار تنفيذ اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، الرقم 90 تاريخ 31/12/1998، في مادته الأولى، على تخفيض الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل، النافذة بتاريخ صدور هذا القرار، عن السلع العربية المنشأ المستوردة من الدول الأطراف في اتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية، وذلك بشكلٍ تدريجي، وبنسبة 10 في المئة سنوياً، حتى نصل إلى صفر رسوم في العام 2007.
على حساب القطاعات الإنتاجية
هذه الاتفاقية، التي مثّلت من الناحية النظرية خطوةً عربيةً متقدمة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي العربي المنشود، أظهر تطبيقها خللاً عميقاً في موازين المصالح بين الدول الموقّعة، كما يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي، خصوصاً على حساب لبنان وقطاعاته الإنتاجية، وفي طليعتها الزراعة والصناعة المحلية. وتكمن نقاط الضعف الجوهرية في الاتفاقية بالنسبة إلى لبنان، برأي الخولي، في عدّة نقاط، هي:
- غياب القدرات التنافسية للمنتجات اللبنانية مقارنة بدول تمتلك بنى تحتية صناعية وزراعية متطورة ومدعومة حكومياً.
- انعدام الرقابة الجمركية الفعّالة على البضائع العربية المستوردة، ما سمح بإغراق الأسواق اللبنانية بمنتجات رخيصة الثمن ومهربة أحياناً.
- عدم التزام بعض الدول العربية بالمعاملة بالمثل، بحيث تفرض على المنتجات اللبنانية قيود وشروط قاسية تمنعها من دخول أسواقها بحرية.
- إهمال الدولة اللبنانية لتفعيل أدوات الدعم والتحفيز للمزارعين والصناعيين المحليين لمواجهة المنافسة غير المتكافئة.
وأكد الخولي أن النتيجة المباشرة لهذا الخلل كانت تراجع الإنتاج الزراعي اللبناني، وانهيار أسعار عدد كبير من المحاصيل، وهجرة آلاف العائلات الزراعية من أراضيها نحو البطالة أو الهجرة، ما أدى إلى ضرر اجتماعي واقتصادي ووطني فادح.
الاتفاقيات الثنائية أضمن
صحيحٌ أن العالم يتكتّل، شكلاً، في مجموعاتٍ ضخمة واتفاقياتٍ متعدّدة الأطراف (Multilateral Agreements)، إنما في المضمون، “هناك نزعةٌ متنامية لدى الدول، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة، للعودة إلى الاتفاقيات الثنائية (Bilateral Agreements)، للتخلّص من استغلال أو إساءة استخدام القوة من قِبل الدول الكبيرة في الاتفاقيات متعدّدة الأطراف”، كما يؤكّد نائب رئيس جمعية الصناعيين، بول أبي نصر.
ويضيف: “عدا عن كون تعديل الاتفاقيات متعدّدة الأطراف أصعبَ بما لا يُقاس من تعديل الاتفاقيات الثنائية، في حال تغيّر المعطيات في أيّ دولة من الدول، فإن اكتشاف النفط والغاز في دولةٍ ما سيُخفّض كلفة إنتاجها بشكلٍ كبير، ويدفع أسعار بضائعها إلى الانخفاض، مما يؤثّر سلباً على بضائع الدول الأخرى المنضوية معها في اتفاقيةٍ متعدّدة الأطراف، ويقضي على العدالة في المنافسة، سواء في الأسواق الداخلية أو الخارجية. وأيّ تعديلٍ في شروط الاتفاقية يجب أن يتضمّن إعادة الاتفاق مع جميع البلدان، و”هذا من رابع المستحيلات”.
بالنسبة إلى اتفاقية التيسير العربية، فهي لا تشذّ عن هذا السياق. فهناك دول كبيرة لا تطبّق شروط الاتفاقية مع لبنان، وتفرض على صادراته رسوماً جمركية خيالية، مثل المغرب، وأخرى تلتفّ على الشروط، مثل مصر. وعلى الرغم من تأكيد المغرب حرصها الدائم على العلاقة مع لبنان، فإنها تعترف بعدم تطبيقها اتفاقية التيسير، وتدعو إلى الانتقال نحو الاتفاقيات الثنائية. فالاتفاقيات الثنائية تتيح للدول وضع شروطٍ غير موحّدة تجاه الدول الأخرى. فالمغرب، إن كان لا يخشى من لبنان في حال تطبيق الاتفاقية من إغراق أسواقه ببضائع رخيصة أو غير مطابقة للمواصفات، فإنّ مصدر قلقه الحقيقي يأتي من مصر.
أما بالنسبة إلى مصر، التي تدّعي تطبيق اتفاقية التيسير، فهي “تستبدل الرسوم الجمركية بوضع الحواجز غير الجمركية (Non-Tariff Barriers)”، بحسب أبي نصر. ويضيف أن مصر تطلب من المصدّرين اللبنانيين مجموعة من الشروط، مثل: تسجيل المصنع في مصر ضمن دائرة الاستيراد، وهي عملية تتطلّب بين ثمانية أشهر وعامين؛ وتسجيل العلامة أو الاسم التجاري المُصدَّر، حتى لو كانت العلامة مصرية.
ويعتبر أبي نصر أن هذه الإجراءات ما هي إلا عراقيل تُوضَع لمنع التصدير إلى مصر، رغم التزامها باتفاقية التيسير العربية. وتكون نتيجة هذه العراقيل ارتفاع كلفة التصدير من صفر في المئة إلى نحو 15 في المئة، في حين تدخل البضائع المصرية إلى لبنان من دون أيّ تعقيدات.
من الجهة الأخرى فإن العديد من الدول لا تضع رسوماً جمركية على استيراد الكثير من البضائع مهما كان مصدرها، أو تضع رسماً بسيطاً، والدخول معها باتفاقية تيسير سيلزم لبنان على تخفيض رسومه تجاهها، وبالتالي تكون الاتفاقية لزوم ما لا يلزم.
بعض الإيجابيات
على الرغم من كل العراقيل والمشاكل، فإن انضواء لبنان بالاتفاقية لم يكن سلبياً بالمطلق. فالاتفاقية حملت بعض الإيجابيات النظرية برأي مارون الخولي، مثل:
- فتح أسواق عربية أمام بعض الصناعات اللبنانية الصغيرة والمتوسطة.
- تعزيز التعاون التجاري العربي كمبدأ استراتيجي.
- تشجيع انتقال السلع العربية دون رسوم جمركية، ما يخدم مبدأ السوق العربية المشتركة.
ما المطلوب؟
إلا أن الخولي شدد على أن هذه الإيجابيات تبقى شكلية وغير ملموسة في الواقع اللبناني، طالما لم تُرفق بسياسات حماية ودعم للقطاعات الإنتاجية اللبنانية، وخاصة الزراعية منها. وطالب الخولي الحكومة اللبنانية بإعادة تقييم الاتفاقية بشكل شامل، وفتح حوار رسمي مع جامعة الدول العربية لتطوير بنودها بما يضمن العدالة الاقتصادية والتجارية بين الدول الأعضاء، داعياً إلى:
- تعديل قواعد المنشأ لحماية المنتجات اللبنانية.
- فرض قيود مؤقتة أو تجميد جزئي للاتفاقية في بعض القطاعات الحساسة، إلى حين تصحيح الخلل.
- إنشاء صندوق عربي مشترك لدعم الدول الصغيرة اقتصادياً لمساعدتها على تحسين قدراتها الإنتاجية.
لبنان لا يمكنه أن يبقى الحلقة الأضعف في أي اتفاقية عربية. ومن هنا، دعا الخولي الحكومة إلى الدفاع عن حقوق المزارعين والصناعيين اللبنانيين، وإلى وضع سياسة تجارية متوازنة تضمن شراكة عادلة لا تبعية اقتصادية. مضيفاً أننا “لسنا ضد الانفتاح العربي، لكننا ضد الانفتاح غير العادل الذي يقتل الإنتاج الوطني ويحوّل لبنان إلى سوق استهلاكي لبضائع الآخرين”.
“الاتفاقية بحد ذاتها تحتاج أيضاً إلى آليةٍ جديدةٍ تتضمّن إمّا المعاملة بالمثل، أو تجميد العمل لفترةٍ معينة، إلى حين التقاط القطاعات الإنتاجية أنفاسها، لنحمي أسواقنا من سياسة الإغراق التي تمارسها بعض الدول”، برأي أبي نصر. ويضيف: “الأهمّ هو مكافحة التهريب، الذي لا يؤثر سلباً على القطاعات الإنتاجية فحسب، بل أيضاً على القطاعات التجارية، ويقلّص مداخيل الدولة. فهناك منتجات تصل نسبة المهرَّب منها إلى 70 أو 80 في المئة من حجم البضائع الموجودة في السوق، وهو ما يشكّل مقتلاً حقيقياً للاقتصاد وقطاعاته الإنتاجية. والأسوأ أنّ هذه البضائع، سواء كانت من مصدرٍ أصلي أو مقلّد، تُسوَّق على ‘عينك يا دولة’، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يُسأل أحد أو يُحاسب، مع العلم أنّ المهرّبين يظهرون بالصوت والصورة، ويُعلنون عن مكان عملهم وأرقام هواتفهم”.
بين وعود التكامل وواقع “التعسير” في اتفاقية التيسير العربية، يبقى لبنان الخاسر الأكبر، والحلقة الأضعف، وأي تغيير يجب أن يكون نابعاً من الداخل وفي إطار الحرص على المصلحة الوطنية.

نبيل الحلو
صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.
