الفساد في صفقات المحروقات «قصة» تتوالد فصولاً

 

تحوّل المثل الإنجليزي القديم “الحاجة أمّ الاختراع”، إلى “الحاجة أمّ الصفقات” في لبنان. فبحجة عدم وقوع البلد في “العتمة” الشاملة، تستعجل الجهات المعنية باستيراد “الفيول أويل” لتلبية حاجة معامل الكهرباء، إلى عقد صفقات كيفما اتفق. وهي تنتظر حتى انتهاء المخزون كلياً للبدء بتحضير عملية الشراء. فتتجاوز دفاتر الشروط، ولا تعطي الوقت الكافي للعارضين، وتهمل عن قصد فضح العارضين الوهميين، ولا تُعير انتباها للمواصفات. فتأتي النتيجة: صفقات معلّبة على قياس عارضين محددين؛ هم يكسبون ملايين الدولارت، وتخسر الخزينة، وتستمر الظلمة مخيمة فوق الصفقات ورؤوس اللبنانيين.

قصة “إبريق الزيت” هذه، التي تعاد على مسامع “هيئة الشراء العام”، ومن قبلها “إدارة المناقصات”، سواء قالت “نعم” أم “لا”، تستمر بالتوالد فصولاً، وأخرها: استقدام شحنة فيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، في شهر آب الماضي، مزورة شهادتي المنشأ والتحميل.

ماذا جرى في شحنة HAWK III

كي لا نغرق في التفاصيل التقنية، فإن “القصة وما فيها” أن من تتعاقد معهم المنشآت النفطية لاستيراد الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان، يعمدون إلى شرائه من روسيا بأسعار رخيصة بسبب السقف السعري الموضوع على النفط الروسي، ويبيعونه للبنان على أنه من غير مصادر، بأسعار أعلى.

هذه القصة التي تكررت كثيراً في الفترة الماضية، ضبطت أخيراً في شحنة الفيول المحملة بباخرة ” HAWK III”. فبناء على أخبار متداولة عبر أحد المواقع الإلكترونية تفيد أن المستندات الرسمية للباخرة مزوّرة وقد جرى التلاعب بشهادة المنشأ، وجّهت وزارة الطاقة والمياه كتاباً إلى النيابة العامة التمييزية بتاريخ 25/8/2025 طلبت منها عبره “إعتبار ما تمّ تداوله إخباراً واتخاذ كل الإجراءات القانونية الملائمة وإفادتها بالنتائج كي تتخذ الإجراءات اللازمة”، بحسب ما أفاد بيان وزارة الطاقة.

ومما تبيّن أن الشركة المستوردة (S.E.DMCC) تعمد إلى تحميل النفط من روسيا، من ثم “تنيّم” الباخرة في أحد المرافئ الإقليمية في تركيا أو مصر لعدة أيام، وتزوّر إصدار شهادات التحميل والمنشأ، ومن ثم تعيد إدخال الشحنة إلى لبنان كأنها شحنات نظامية مشتراة من السوق الدولية. ومما يتبين بالأرقام أن الشركة تبيع لبنان طن الفيول بنحو 500 دولار، في حين أن سعر الفيول أويل الروسي الخاضع للسقف السعري يجب ألا يتجاوز 340 دولاراً للطن، نظراً للعقويات الدولية المفروضة على روسيا. وبهذه الطريقة تحصل الشركة مع السماسرة على 160 دولاراً عن كل طن. وكون الشحنة الأخيرة كانت محمّلة بـ 38200 طن فان الربح المحقق يبلغ 6 ملايين و112 ألف دولار.

صحيح أن الجمارك اللبنانية ضبطت الباخرة HAWK III بتهمة تزوير مستندات رسمية لإخفاء مصدر الفيول الروسي، وأوقفت القبطان وأحد موظفي شركة الوكيل البحري بجرم التلاعب بالمنشأ، بناء على إخبار، لكن كم من شحنة مرت قبلها بالطريقة نفسها؟ وكم بلغ حجم الخسائر التي تكبدتها مؤسسة مفلسة مديونة بأكثر من 40 مليار دولار نتيجة عمليات مشابهة من الهدر والفساد؟ بحسب المعلومات التي كشف عنها مقدّم الإخبار الأخير المهندس فوزي مشلب، فان هذه الفضيحة ليست معزولة، وقد جرى تكرراها أكثر من 15 مرة في الآونة الأخيرة، ذلك مع العلم أنه جرى مصارحة وزارة الطاقة بالمخالفات التي تحصل عبر التلاعب بمصدر الشحنات، غير أنّ الاستيراد استمر بشكل عادي، من دون أي إجراء يُذكر للتحقق من المستندات أو وقف استقبال البواخر المشبوهة.

فتّشوا عن المنشآت النفطية

قصة الهدر والفساد في صفقات النفط، التي تتكرر من دون أي إبداع يُذكَر، ليست جديدة، بل هي قديمة قدم تاريخ إنشاء “المنشآت النفطية”، التي استُخدمت تاريخياً لاستيراد المحروقات بعيداً عن أعين إدارة المناقصات. فهذه المنشآت تُدار، بحسب مرسوم اشتراعي صدر في العام 1977، بالطريقة التجارية في عملية بيع وشراء المحروقات، إلى حين دمجها بالمديرية العامة للنفط. “إلا أن هذا الدمج لم يتم لغاية الآن، واستمرت المنشآت تعمل من دون الخضوع لأي رقابة تسلسلية، ولقانون المحاسبة العمومية، وأصول عقد الصفقات العمومية”، كما يقول غسان بيضون، محلل سياسات الشراكة مع القطاع الخاص في “المعهد اللبناني لدراسات السوق”، ومدير عام الاستثمار سابقاً في وزارة الطاقة. فاستحالت المنشآت “صندوقاً أسود”، لا يقتصر دوره على تعليب الصفقات وتحقيق الأرباح والعمولات، إنما أيضاً على خلق لجان وهمية يوقّع رؤساؤها، كأنهم مديرون عامّون، ويتقاضون بدلات بعشرات آلاف الدولارات. “وبالتالي، تُركت هذه المنشآت في الشمال والجنوب كمنشآت مستقلة عن وزارة الطاقة، تُستخدم لتمرير الصفقات بعيداً عن الأصول”، يضيف بيضون.

من يشتري المحروقات؟

يَفترض المنطق أن تقوم “مؤسسة كهرباء لبنان”، بتنظيم عمليات شراء النفط لمعاملها، وتمويلها من إيراداتها، وفقاً لآلية عقد مناقصات الشراء في القطاع العام. لكن “الفوضى المنظمة”، المستحكمة بكل مفاصل الإدارات والمؤسسات العامة، أدخلت “حابل” الكهرباء بنابل وزارة الطاقة، وخلطت أموالها، بأموال الخزينة العامة. و”بدلاً من العمل على وضع حد لهذ الفوضى، كرستها الدولة أكثر من خلال اضطلاعها في تمويل صفقات النفط العراقي الثقيل، ومبادلته في السوق الدولية، في “خطة طوارئ الكهرباء”، في عهد الوزير وليد فياض. وإن كان لا يوجد ما يمنع أن تلعب الدولة هذا الدور ممثلة بوزارة الطاقة، فهو يتطلب خضوع الأخيرة لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة”، بحسب بيضون، وهذا ما لم يحصل، ويمثل مخالفة كبيرة يجب أن تتوقف.

تضييع المسؤوليات

لا يشبه الضياع في ملف استيراد المحروقات اللازمة لمعامل الكهرباء، إلا “ضياع الطاسة” في الحمّامات العمومية، بحسب المثل الشعبي المشهور. “فلا أحد يعلم، على وجه الدقّة، كيف تُستورد المحروقات، ومن هي الجهة المسؤولة، ومن يتحمّل التبعات المادية للمخالفات وعدم فتح الاعتمادات بعد رسوّ البواخر على الشواطئ اللبنانية. ولماذا تدفع الخزينة الثمن، وليس مؤسسة كهرباء لبنان؟ ومن يتحمّل مسؤولية الأعطال في المعامل نتيجة استيراد محروقات مخالِفة للمواصفات؟ ومن يتأكد من عدم تبديل الشحنات في عرض البحر، بعد إصدار شهادات منشأ؟ وأكثر من ذلك: من سمح لوزراء الطاقة المتعاقبين سابقاً، بإعفاء مصرف لبنان من المسؤولية عن المستندات التي يُفترض أن يُدفع على أساسها ثمن المحروقات؟”، يضيف بيضون. ومن دون أن ننسى الإلتباس الكبير القائم حول مسؤولية الخزينة في دفع ثمن المحروقات، وبأيّ مبرّرات.

تشتيت الصلاحيات فيما خص استيراد الفيول أويل، بين وزارة الطاقة، ووزارة المالية، والمنشآت النفطية، والمديرية العامة للنفط، ومؤسسة كهرباء لبنان، ومصرف لبنان، ومختبرات الفحص، يضيع المسؤولية، من وجهة نظر بيضون. ولطالما استعمل هذا الأسلوب للتنصل من التبعات التي تلحق بهذه الفوضى.
ما الحل؟

يمكن مقاربة الحل لهذه الفوضى المتراكمة من خلال ثلاث خطوات مترابطة:

  • أولاً: اضطلاع مؤسسة كهرباء لبنان، عبر مديرياتها، بمسؤولياتها الكاملة في استيراد المحروقات اللازمة لتشغيل معامل الإنتاج. فعلى سبيل المثال، تُعتبر مديرية الإنتاج الجهة الأولى المسؤولة عن كفاءة التشغيل، وكانت سابقاً تُحاسب على أساس كميات المحروقات المستهلكة مقارنةً بالإنتاج الفعلي وسعر الكيلوواط. إعادة هذا النوع من الرقابة والمساءلة الداخلية يشكل مدخلاً ضرورياً لإعادة الانضباط إلى آلية الاستيراد والتشغيل.
  • ثانياً: توقف وزارة الطاقة، بصفتها سلطة وصاية على مؤسسة كهرباء لبنان، عن التدخّل المباشر في تنظيم شحنات المحروقات. فدور الوزارة يجب أن يبقى ضمن الإطار التخطيطي والاستراتيجي، لا التنفيذي، بما يضمن استقلالية المؤسسة ويمنع تسييس قراراتها أو استخدامها في صفقات مشبوهة.
  • ثالثاً: العودة إلى آليات السوق الطبيعية التي تفرض الشفافية والمساءلة عبر التنافس. ويكمن ذلك في تفكيك مؤسسة كهرباء لبنان وفتح القطاع أمام كل من يرغب في إنتاج الطاقة، سواء من المصادر الأحفورية كالفيول والنفط، أو من المصادر المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

تحقيق هذا المسار أصبح اليوم أكثر واقعية بعد تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، والتي أنيط بها دور وضع قواعد المنافسة وتنظيم السوق ومراقبة تنفيذها، على أن تبقى تحت إشراف وزارة الطاقة، ولكن من دون أن تكون خاضعة لها بالكامل. فهل ننتهي من هذه المشكلة التي كبدت الكهرباء والاقتصاد خسائر بمليارات الدولارات، ام تستمر القصة بالتوالد فصولاً؟

مقالات الكاتب

نبيل الحلو

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.