قداسة الحبر الأعظم

قداسة الحبر الأعظم،

تزورون وطنًا تثير حالته السياسية تساؤلات جوهرية ومنطقية حول عوامل عدّة: سيادية، تمثيلية، ديموغرافية، وجيوسياسية. كلها عوامل تدفعنا، نحن اللبنانيين الشرفاء، إلى البحث عن مبادرة إنقاذية علّها تأتي من مكان ما. ومن أجل ذلك نُعوِّل على زيارتكم الكريمة، لعلّها تتيح لنا أن نُسمِعكم صوتنا المتعطّش إلى حنان رسالة المسيح التي نفتقدها منذ زمن طويل.

قداسة الحبر الأعظم،

لدينا مسؤولون علمانيون ومدنيون يتجاهلون واقعنا المسيحي واللبناني المزري على مختلف الصعد. هذا الواقع الأليم ولّد فينا أسئلة كثيرة ومقلقة، تتوخّى في مضامينها فهم أسبابه واكتشاف جذوره، وكيفية تفاعله مع شعبنا المتألّم جرّاء إهمال قادتنا، علمانيين كانوا أم روحيين.

قداسة الحبر الأعظم،

تزورون وطنًا يحكمه الباطل، في تناقض صارخ مع رسالة السيد المسيح وسائر الأنبياء. وطنٌ يُقهَر شعبُه كل يوم، مسجونٌ في مصالح الساسة، العلمانيين منهم والروحيين. وطنٌ يعرف حكّامه معاناة أبنائه، ومع ذلك يجلدونهم كما جُلد المسيح، فيما يُحرَم الشعب المسكين من لقائكم لأن اللقاءات محصورة، كما أُفيدنا، بأصحاب السلطة والأمر الواقع.

قداسة الحبر الأعظم،

تزورون وطنًا مُقيَّدًا بأحكامٍ يصدرها رعاة يحدّون من حرية أبنائه، ليحصدوا مقابل ذلك مزيدًا من التهميش والذلّ والجوع والهجرة والعار. شعبٌ يُعامَل في وطنه كأهل ذمّة، ويُقايَض على كرامته وحقوقه بحقائب وزارية ترضي هذا الزعيم أو ذاك، من السياسيين أو رجال الدين المنتفعين الذين لا تنتهي مطالبهم، وغالبها شخصيّ كتعيين المقرّبين والمحاسيب.

قداسة الحبر الأعظم،

في مفهومنا الديني المسيحي، الحرية هي جوهر الإيمان. منها تنبع الرسالة وفيها تصبّ، كما قال بطرس الرسول لأهل غلاطية: “لقد حرّرنا المسيح لكي ننعم بهذه الحرية، فاثبتوا إذًا بها ولا تعودوا ترتبطون بنير العبودية”. شعب لبنان الذي تزورونه شعبٌ مستعبَد، غير حرّ، ونحثّكم على أن تتحقّقوا من ذلك عبر سفارتكم في الجمهورية اللبنانية إن صدقت التقارير.

قداسة الحبر الأعظم،

ورد في سفر إرميا: “ويلٌ للرعاة الذين يُهلكون ويُبدّدون غنم رعيّتي.” (إرميا 23:1)

وبحسب التعاليم الكنسية، فالإكليروس هم الذين وُهِبوا درجاتٍ كهنوتية بفضل استقامتهم ومحبتهم وتضحيتهم وغيريّتهم وطاعتهم وفعل الخير. لكن اليوم، يبدو أن الإكليروس في غربة عن شعبه. ما يُدمي الجبين فعلاً هو المواقف الخجولة التي تصدر تباعًا عن بعض الرعاة، خطبٌ وعظاتٌ تكرّر نفسها ببغائيًا، تتهرّب من المسؤولية، وتكشف عن قصر نظرٍ وأنانيةٍ وكراهيةٍ عمياء لشعبٍ مغلوبٍ على أمره. رجال دينٍ انتُدبوا لخدمة الكنيسة فإذا بهم يخدمون ذواتهم، يعظون من على مذابح الرب وتحت صورة المصلوب، لكن عظاتهم لا تخلّص، لأنّ معدّيها أشبه بإبليس.

قداسة الحبر الأعظم،

نأمل أن تكون زيارتكم للوطن المنكوب وللشعب اللبناني المقهور، وللماروني المستعبَد، زيارةً تطرد تجّار الهيكل.
نرجوها زيارة دينية مثمرة، تحمل بُعدًا روحيًا حقيقيًا وتجارب مُثرية، قائمة على سماع صوتنا واحترام حريّتنا ومكانتنا المارونية في لبنان والمشرق.

قداسة الحبر الأعظم،

كلّنا أمل أن تصل إليكم أسطر رسالتنا، وأن تدركوا روحها ومغزاها وبُعدها الروحي والوطني والأخلاقي. وأن تُفعّلوا روح التواصل مع الشعب اللبناني المتألّم، ومع الماروني المضطهد أولًا وثانيًا وثالثًا من قِبل الجماعة التي ستستقبلكم.

وحتماً، ستصافحون أياديَ سوداء كسواد قلوب أصحابها.

وشكرًا.

مقالات الكاتب

بول الحامض

ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.