يشكّل الضعف، وعدم تحمّل المسؤولية، والارتهان للخارج، جوهر السياسة اللبنانية في المراحل التي أعقبت وثيقة الوفاق الوطني، ولا سيّما بعد غياب عمالقة الفكر السياسي، أمثال: ريمون إده، كميل شمعون، شارل مالك، إدوار حنين، فؤاد إفرام البستاني، البطريرك مار نصرالله صفير، صائب سلام، المفتي حسن خالد، حسين الحسيني، الإمام موسى الصدر، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وغيرهم من القامات الفكرية والسياسية التي شكّلت مرجعيات وطنية جامعة.
نحن اليوم نعيش أزمة أخلاق سياسية، معطوفة على أزمة حرب تجري على أرضنا، لا يمكن معها الأخذ بالتحليل الجزئي لهذه الظاهرة. فالحرب القائمة على أرض لبنان تشكّل، في جوهرها، مقدمة لاضمحلال الجمهورية اللبنانية، مؤسساتٍ وشعبًا.
وفي هذا السياق، يُطرح سؤال أساسي في هذه المقالة، انطلاقًا من موقفي الشخصي ومن خلال “جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني”، أمام هذه المعضلة القيادية: أليس من نافل القول إن المسؤولين في لبنان، روحيين وزمنيين، قد أصبحوا في موقع الارتهان؟
الجواب، وفق هذا الطرح، هو نعم. فهم عمليًا يُضعفون القرار السيادي الوطني، ويُحبطون كل عقل استراتيجي، كما يعطّلون كل عملية فكرية تُعنى بهندسة منظومة سياسية سيادية. كذلك، نشهد مهاترات فكرية عقيمة، تُطرح على ألسنة قادة رأي مسيحيين ومسلمين، علمانيين وروحيين، من دون إنتاج رؤية وطنية متماسكة.
إننا أمام واقع مأزوم لا يحترم أصول الفكر الوطني السليم، ولا توجد لدى هذه الطبقة الحاكمة، الزمنية والروحية، منظومة عقل استراتيجي للدولة أو لمراكز القرار الدينية. لذلك، فإن البداية الصحيحة لحل الأزمة الحالية المستعصية يجب أن تسبقها عملية تفكير استراتيجي وتخطيط سليم. وهذه هي المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة اللبنانية.
وبصريح العبارة، يتمثّل الهدف المطروح، من خلال الجمعية، في “تأسيس مكان آمن للتفكير والتخطيط، أي عقل استراتيجي للدولة، وللمسيحيين، وللمسلمين”. ومن خلال هذا الهدف، يمكن حشد وتنسيق وإنتاج منظومة وطنية خلاقة.
إن غياب هذه الاستراتيجية الآمنة يعني فعليًا السير في الظلام من دون أي نور كاشف، والسبب يعود إلى القادة الزمنيين والروحيين، وعدم امتلاكهم الخبرات المعرفية اللازمة، أو توجيهها لصالح الدولة ومؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية، ولصالح المسيحيين والمسلمين، فضلًا عن عدم امتلاكهم القدرة الفاعلة على قراءة مصادر القوة العربية والدولية، وحتى الداخلية، واستثمارها.
ومن خلال المتابعة السياسية والبحثية لتطور آلية الانهيار السياسي الخطير، وأمام هذه الإدارة السيئة في الأداء والنتائج، ومع ما يُلاحظ من مستويات متدنية في معالجة الواقع الميداني العسكري والسياسي والاجتماعي، ومع غياب سلطة سياسية ـ عسكرية ـ استراتيجية مهنية مستقلة للتخطيط ومواجهة الأحداث، بات المطلوب اليوم طرح “مبادرة ارحلوا” استنادًا إلى أسبابها الموجبة.
عمليًا ومنطقيًا، تبرز الحاجة إلى تأسيس سلطة سياسية انتقالية، زمنية وروحية، مهنية ومستقلة للتخطيط، إضافة إلى إنشاء مجلس عسكري للأمن القومي بموجب نص دستوري محلي، ذي أبعاد إقليمية ودولية، يُناط به وضع استراتيجية عمل سياسي وحركة عسكرية وأمنية للحفاظ على ما تبقى من الدولة، أو، بصريح العبارة، “لاسترجاع ما يمكن استرجاعه من مؤسسات الدولة”.
كما يُناط بهذه السلطة الانتقالية رعاية المسار السياسي الاستراتيجي الوطني، الذي يفضي إلى ترحيل هذه الطبقة السياسية القائمة، الزمنية والروحية، وإحالتها إلى القضاء المختص، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. ومن المخزي، وفق هذا الطرح، أن تبقى هذه السلطة الفاقدة للشرعية التمثيلية والوظيفية في مواقع القرار، في ظل توصيفها بالإهمال، وعدم الإدراك، والارتهان، وهدر المال العام.
بناءً على ما تقدم، فإن “مبادرة ارحلوا”، في أسبابها الموجبة، تُطرح كخيار لمعالجة الأزمة البنيوية التي يمر بها لبنان، في ظل واقع سياسي يُوصف بفقدان القدرة على إدارة الدولة، واتساع فجوة الثقة بين السلطة والمجتمع.

بول الحامض
ناشط سياسي، رئيس جمعية الإرشاد والتثقيف الوطني، خبير في المجالات الاقتصادية والقانونية، مع خبرة في الاستثمارات، إدارة الشركات، والتبادلات المالية، ويعمل كمستشار في القضايا الجمركية.
- د. بول الحامض#molongui-disabled-link
- د. بول الحامض#molongui-disabled-link
- د. بول الحامض#molongui-disabled-link
- د. بول الحامض#molongui-disabled-link
