10 تريليونات دولار… فاتورة الانبعاثات الأميركية على العالم منذ 1990

بات ملف تغيّر المناخ ملفاً اقتصادياً وحقوقياً بامتياز. فالسؤال لم يعد يقتصر على مَن يلوّث أكثر اليوم، بل من راكم، عبر عقود طويلة، أكبر قدر من الانبعاثات التي دفعت العالم إلى هذا المستوى من الاحترار، ومن يدفع كلفة الأضرار الناتجة عنها.

في هذا السياق، أعادت دراسة منشورة في مجلة Nature فتح النقاش حول المسؤولية التاريخية عن الخسائر المناخية، بعدما قدّرت أن انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون الصادرة عن الولايات المتحدة منذ عام 1990 تسببت بخسائر اقتصادية عالمية تراكمية بلغت نحو 10.2 تريليونات دولار بحلول عام 2020، وفق منهجية تحتسب أثر هذه الانبعاثات على الناتج المحلي الإجمالي عالمياً.

وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها من كون الولايات المتحدة تُعد أكبر مصدر تاريخي لانبعاثات الكربون، أي أن مسؤوليتها لا تُقاس فقط بما تطلقه اليوم، بل بما راكمته منذ الثورة الصناعية، وما خلّفه ذلك من آثار ممتدة على الاقتصادات والمجتمعات. ووفق نتائج الدراسة، جاءت الصين في المرتبة الثانية من حيث حجم الأضرار الاقتصادية المرتبطة بانبعاثاتها منذ عام 1990، بنحو 8.7 تريليونات دولار، تليها انبعاثات الاتحاد الأوروبي بنحو 6.42 تريليونات دولار.

الأمر اللافت أن الولايات المتحدة لم تُلحق الضرر بالآخرين فقط، بل أصابت نفسها أيضاً. فالدراسة تشير إلى أن قرابة 30% من الأضرار المرتبطة بالانبعاثات الأميركية وقعت داخل الاقتصاد الأميركي نفسه، بما يعادل حوالى 2.97 تريليون دولار، فيما تحمّل الاتحاد الأوروبي نحو 1.39 تريليون دولار من هذه الخسائر. وهذا يعني أن التلوث المناخي لا يبقى محصوراً في جغرافيا الدولة المسببة له، بل يتحرك كأثر اقتصادي عابر للحدود، يعاقب الدول الفقيرة والغنية معاً، وإن بدرجات غير متساوية.

غير أن العبء الأكبر، أخلاقياً وسياسياً، يظهر حين تُقارن المسؤولية بحجم الضرر. فدول نامية كثيرة لم تكن شريكاً رئيسياً في صناعة الأزمة المناخية، لكنها وجدت نفسها أمام فاتورة باهظة من الخسائر. وتشير تقديرات الدراسة إلى أن الانبعاثات الأميركية منذ عام 1990 تسببت بخسائر تقارب 500 مليار دولار في الهند، ونحو 330 مليار دولار في البرازيل، وهما رقمان يكشفان كيف تتحوّل الانبعاثات التاريخية للدول الصناعية الكبرى إلى أعباء تنموية مباشرة على اقتصادات أقل قدرة على التكيّف.

وتقوم أهمية الدراسة على أنها تحاول وضع قيمة مالية لما يُعرف في مفاوضات المناخ بمفهوم “الخسائر والأضرار”، أي الأضرار التي تعانيها المجتمعات نتيجة تغيّر المناخ، ولا يكفي معها خفض الانبعاثات أو التكيّف التقليدي. وقد أوضحت Nature في عرضها للدراسة أن العمل يقدّم مقياساً يمكن استخدامه لفهم الديون أو الالتزامات الناتجة عن الانبعاثات التاريخية، خصوصاً أن آثار تغيّر المناخ غالباً ما تطاول شعوباً ومجتمعات ساهمت بأقل قدر في إنتاج الأزمة.

ولا يقتصر الضرر الاقتصادي على الكوارث الكبرى الظاهرة، مثل الفيضانات والجفاف والحرائق وفشل المحاصيل، بل يمتد إلى آليات أبطأ وأكثر تراكماً. فارتفاع درجات الحرارة يضغط على إنتاجية العمال، ويزيد أعباء الصحة العامة، ويُضعف قدرة الاقتصادات على النمو، خصوصاً في المناطق الحارة والفقيرة. ومن هنا يصبح تغيّر المناخ نوعاً من الاستنزاف الطويل لا الضربة المفاجئة فقط؛ فهو لا يدمّر الاقتصاد في لحظة واحدة، بل يقتطع من قدرته على النمو عاماً بعد عام.

ولهذا السبب، تحمل الدراسة بعداً يتجاوز الحسابات الاقتصادية الباردة. فهي تقول، عملياً، إن هناك شعوباً تدفع ثمن نمط نمو لم تصنعه، وإن هناك فجوة عميقة بين من استفاد تاريخياً من الوقود الأحفوري ومن يتكبّد اليوم كلفته. وهذه الفجوة هي جوهر النقاش حول العدالة المناخية: هل يمكن أن تستمر الدول التي بنت ثروتها على الانبعاثات العالية في التعامل مع الأزمة كأنها مسؤولية جماعية متساوية؟ أم أن العدالة تفرض تمييزاً واضحاً بين من تسبب تاريخياً بالضرر ومن وُضع أمام نتائجه؟

سياسياً، لطالما تحفّظت الولايات المتحدة على أي صيغة قد تُفسَّر باعتبارها اعترافاً بمسؤولية قانونية مباشرة عن التلوث المناخي التاريخي. وقد ازداد هذا الاتجاه وضوحاً في السياسات التي تبنّتها إدارة دونالد ترامب، من الانسحاب أو الابتعاد عن التزامات مناخية دولية، إلى دعم التوسع في استخراج النفط والغاز، والحد من اندفاعة مشاريع الطاقة النظيفة. وفي هذا المناخ السياسي، يصبح الحديث عن “الخسائر والأضرار” أكثر حساسية، لأنه ينقل النقاش من التعهدات الطوعية إلى سؤال التعويض والمسؤولية.

لكن الدراسة، رغم أهميتها، لا تدّعي أنها تحيط بكل وجوه الضرر. فالخسائر التي تحتسبها ترتبط أساساً بتأثير الاحترار على الناتج المحلي الإجمالي، بينما تبقى هناك أعباء أخرى يصعب تسعيرها بدقة: تفكك المجتمعات، خسارة الأراضي، تهجير السكان، تدهور الصحة النفسية، تراجع الأمن الغذائي، وفقدان أنماط حياة كاملة. ولذلك يرى عدد من خبراء اقتصاد المناخ أن هذه الأرقام، على ضخامتها، قد لا تعكس كامل العبء الذي تتحمله الدول الفقيرة والمجتمعات الأكثر هشاشة.

الأخطر أن الأضرار لا تتوقف عند ما حدث حتى الآن. فوفق عرض جامعة ستانفورد للدراسة، فإن الأضرار المستقبلية المرتبطة بالانبعاثات التاريخية قد تكون أكبر بكثير من الخسائر التي تحققت بالفعل، ما يعني أن الكلفة الحقيقية لانبعاثات الماضي لم تظهر كاملة بعد. كما تشير الدراسة إلى أن إزالة ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي قد تكون جزءاً من الاستجابة، لكنها تصبح أقل فاعلية كلما تأخر التحرك.

في المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن أزمة المناخ لم تعد ملفاً مؤجلاً أو سجالاً نظرياً بين العلماء والسياسيين. إنها فاتورة اقتصادية ضخمة، موزّعة بصورة غير عادلة، يدفعها العالم كله بدرجات متفاوتة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تسببت، وفق هذه التقديرات، بأكبر حجم من الأضرار المناخية منذ عام 1990، فإن السؤال لم يعد فقط عن حجم مسؤوليتها التاريخية، بل عن قدرتها السياسية والأخلاقية على الاعتراف بأن المناخ لم يعد مجالاً للوعود العامة، بل ساحة لمحاسبة طويلة بين من لوّث أكثر ومن تضرّر أكثر.

فالخسائر المناخية ليست أرقاماً في دراسة أكاديمية فحسب، بل هي مدارس تُغلق بسبب الفيضانات، ومزارعون يخسرون مواسمهم، ومدن تختنق بالحر، واقتصادات تنمو بأبطأ مما كان يمكن أن تنمو. وبينما تتراكم الانبعاثات في الغلاف الجوي، تتراكم معها أيضاً أسئلة العدالة: من دفع ثمن النمو؟ ومن سيدفع ثمن إصلاح ما أفسده هذا النمو؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.