لم يعد التصعيد الأخير مجرّد جولة عسكرية جديدة، بل تحوّل إلى نقطة انعطاف استراتيجية أعادت رسم معادلات الصراع في الشرق الأوسط. فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء مذكرة التفاهم لم يقتصر على كونه خطوة سياسية، بل حمل رسالة مفادها أن واشنطن تعتقد أن مرحلة التفاهمات السابقة قد انتهت، وأن إدارة الصراع ستنتقل إلى قواعد أكثر صرامة.
في المقابل، تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام لحظة مفصلية تفرض عليها الاختيار بين ثلاثة مسارات، لا يخلو أيٌّ منها من كلفة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، بينما يتوقف نجاح كل خيار على كيفية قراءة طهران لحسابات واشنطن أكثر من اعتماده على ميزان القوة العسكرية وحده.
- الأول: يتمثل في الإبقاء على سياسة إدارة الأزمة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ويقوم هذا المسار على المحافظة على الوضع القائم كما هو، مع تجنّب التنفيذ الكامل لبنود مذكرة التفاهم، والرد على أي خرق عسكري بردود محسوبة لا تؤدي إلى حرب واسعة. وتراهن إيران في هذا السيناريو على عامل الزمن، باعتباره عنصراً ضاغطاً على الولايات المتحدة أكثر مما هو عليها، في ظل تعقيدات البيئة الدولية وتشابك المصالح الأميركية في أكثر من منطقة.
- الثاني: يتمثل في الانتقال إلى استراتيجية التصعيد المنظّم، بحيث يصبح الرد الإيراني أكثر اتساعاً وتأثيراً، وذلك بهدف تغيير قواعد الاشتباك ورفع كلفة أي عمل عسكري أميركي أو إسرائيلي، أو كليهما معاً. ويستند هذا الخيار إلى فرضية أن المكاسب العسكرية قد تتحول إلى أوراق تفاوضية، وأن فرض وقائع جديدة على الأرض قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في أهدافها والقبول بتسوية مختلفة عن تلك التي سعت إليها في بداية الأزمة. غير أن هذا المسار ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ إن توسّع العمليات العسكرية قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية يصعب احتواء تداعياتها، وهو ما يجعل نجاحه مرتبطاً بقدرة إيران على ضبط مستوى التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة.
- الثالث: يقوم على استيعاب نتائج المواجهة والعودة إلى تنفيذ مذكرة التفاهم بصورة تدريجية، وفق مبدأ الالتزام المتبادل، مع تجنّب أي تصعيد إضافي قد يستنزف القدرات الاقتصادية والعسكرية للدولة. ويعكس هذا الخيار رؤية براغماتية تعتبر أن المحافظة على الدولة ومقدراتها قد تكون أكثر أهمية من تحقيق مكاسب سياسية آنية.
لكن قراءة المشهد من زاوية الخيارات الإيرانية وحدها تبقى قاصرة، لأن الطرف الآخر يواجه بدوره معضلة استراتيجية لا تقل تعقيداً وتشابكاً. فالولايات المتحدة، وبالرغم من تفوقها العسكري، لا تتحرك في فراغ، إذ تواجه الإدارة الأميركية تحديات داخلية تتعلق بالاستقطاب السياسي الداخلي، والضغوط الاقتصادية، وحساسية الرأي العام تجاه الانخراط في حروب طويلة ومكلفة.
كما أن أي تصعيد واسع في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع تكاليف العمليات العسكرية، وزيادة الضغوط على الاقتصادين الأميركي والعالمي، فضلاً عن تشتيت الموارد في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات استراتيجية أخرى في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن الناحية السياسية، فإن استمرار الحرب من دون تحقيق نتائج واضحة قد ينعكس على صورة الولايات المتحدة كقوة قادرة على فرض إرادتها، بينما قد يُفسَّر أي تراجع أو قبول بتسوية أدنى من الأهداف المعلنة على أنه تآكل في قوة الردع الأميركية، بما يترك آثاراً على ثقة الحلفاء ومكانة واشنطن الدولية.
ومن هنا، تبدو الإدارة الأميركية أمام معادلة شديدة الحساسية. فهي لا ترغب في حرب استنزاف جديدة تستنزف مواردها ونفوذها، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الظهور بمظهر الطرف الذي تراجع تحت ضغط المواجهة، لما قد يحمله ذلك من انعكاسات استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وعليه، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدّد فقط بحجم القوة العسكرية التي يمتلكها كل طرف، بل بقدرته على تحمّل كلفة الصراع سياسياً واقتصادياً. وفي مثل هذه الأزمات، يكون الطرف الأكثر قدرة على الصمود هو الأقرب إلى فرض شروطه.
وبناءً على ذلك، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مرحلة الحسم العسكري بقدر ما ستكون مرحلة اختبار للإرادات. فإيران تسعى إلى إثبات أن الضغوط الأميركية لن تدفعها إلى تقديم تنازلات مجانية، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على مصداقية ردعها من دون الانزلاق إلى حرب لا تملك ضمانات حقيقية لنتائجها ونهايتها.
ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع واشنطن الموازنة بين ضرورة الحفاظ على هيبتها الاستراتيجية وتجنّب حرب مكلفة، أم أن منطق الردع سيدفعها إلى تصعيد قد يتجاوز حسابات جميع الأطراف؟ وفي المقابل، هل تواصل طهران سياسة استنزاف الخصم، أم تفضّل تثبيت ما تعتبره مكاسب استراتيجية عبر العودة إلى مسار التفاهمات؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين ستكون العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
