تحبّ إسرائيل أن تُقدّم نفسها للعالم بوصفها دولة الديمقراطية والفضيلة، وواحة القيم الليبرالية وسط محيط عربي مضطرب، غير أن هذه الصورة، كلما دخل الإقليم مرحلة تحوّل كبرى، تنكشف بوصفها غطاءً أخلاقيًا لمشروع قوة صِرف. فالديمقراطية هنا لا تُقاس باحترام القانون الدولي أو بحقوق الشعوب، بل بمدى القدرة على فرض الوقائع، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية بالنار، مستفيدة من لحظة تاريخية نادرة يتراجع فيها اللاعبون الدوليون، ويتآكل فيها النظام الإقليمي، وتغيب فيها الإرادة الجماعية القادرة على ضبط الصراع.
ما نشهده اليوم ليس نهاية حرب، بل بداية مرحلة إعادة ترتيب قاسية، تُدار من فوق أنقاض السلاح المدمَّر والكيانات المُنهكة. الولايات المتحدة تعيد تموضعها دون رغبة في الغرق بحروب جديدة، أوروبا منشغلة بأزماتها البنيوية، روسيا مستنزفة في مواجهة مفتوحة مع الغرب، والصين تراقب من بعيد دون استعداد لتحمل كلفة أمنية مباشرة. هذا الغياب النسبي للقوى الكبرى خلق فراغًا جيوسياسيًا واسعًا، ترى فيه إسرائيل فرصة استراتيجية لإعادة هندسة الشرق الأوسط، لا عبر تسويات شاملة، بل عبر تفكيك مراكز القوة، وتحويل الخصوم إلى مشكلات داخلية في جغرافياتهم.
في هذا السياق، تُدار المواجهة مع حزب الله بوصفها حرب توازنات لا حرب إسقاط. الهدف الإسرائيلي ليس القضاء على التنظيم سياسيًا، بل كسر معادلة الردع التي فرضها منذ عام 2006، ونزع قدرته على المبادرة العسكرية، ودفعه إلى الانكفاء شمالًا، بحيث يتحول السلاح من عنصر ردع إقليمي إلى عبء داخلي لبناني. في الحسابات الإسرائيلية، يكفي أن يفقد الحزب قدرته على فرض قواعد اشتباك مستقرة، لأن ذلك يعيد رسم الجبهة الشمالية بوصفها جبهة مضبوطة بالقوة لا بالردع المتبادل.
أما غزة، فالمعركة فيها تتجاوز حماس كتنظيم لتطال جوهر النموذج ذاته. إسرائيل لا تسعى فقط إلى تحييد فصيل مسلح، بل إلى إنهاء فكرة أن كيانًا محاصرًا قادر على إنتاج قوة، أو فرض معادلات سياسية وعسكرية. الهدف هو تفريغ المقاومة من معناها الاستراتيجي، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني إداري، بلا أفق سيادي، وبلا قدرة على التأثير في معادلات الإقليم، بحيث تُدار غزة بوصفها عبئًا إنسانيًا لا فاعلًا سياسيًا.
وفي سوريا، باتت المعادلة أوضح: بقاء النظام لم يعد مشكلة ما دام بلا سيادة كاملة. إسرائيل تتعامل مع سوريا اليوم بوصفها جغرافيا مفتوحة، لا دولة مكتملة القرار. الضربات المتكررة، وتراجع النفوذ الإيراني، وغياب القدرة على الرد، كلها عوامل حوّلت البلاد إلى ساحة ضبط أمني، تسمح لتل أبيب بإدارة حدودها الشرقية بأقل كلفة، ومنع تشكّل أي تهديد استراتيجي مستقبلي.
أما إيران، فهي الهدف الأبعد في هذا المشهد، لكنها الحاضرة في كل الحسابات. تدرك إسرائيل أن المواجهة المباشرة مع طهران مغامرة عالية الكلفة، لذا تعتمد استراتيجية الاستنزاف البطيء: ضرب الأذرع، تقليص النفوذ، وخنق خطوط الإمداد. الهدف ليس إسقاط المشروع الإيراني دفعة واحدة، بل تفريغه من مضمونه العسكري، وتحويل نفوذه الإقليمي إلى عبء تفاوضي، لا ورقة تهديد فعّالة. شرق أوسط تُكسر فيه الأذرع الإيرانية هو شرق أوسط أقل خطورة على إسرائيل، وأكثر قابلية للضبط والتحكم.
استشرافيًا، إذا ما استمرت هذه المسارات خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، فإن المنطقة تتجه نحو نموذج إقليمي هشّ: دول ضعيفة أو مشغولة بأزماتها الداخلية، جيوش مقيدة الحركة، تنظيمات مسلحة جرى تحجيمها أو تفكيكها، وحدود هادئة بفعل الردع القسري لا السلام الحقيقي. إنه شرق أوسط بلا مشروع عربي جامع، وبلا محور مقاومة متماسك، وبلا نظام إقليمي قادر على إنتاج توازن عادل.
غير أن هذا الترتيب، مهما بدا محكمًا، يظل بطبيعته مؤقتًا، لأن التوازنات المفروضة بالقوة لا تصمد طويلًا، ولأن الجغرافيا التي تُعاد صياغتها بالنار تحمل في داخلها بذور انفجارها المؤجل. فالتاريخ في هذه المنطقة علّمنا أن الصراعات لا تُمحى، بل تتراكم، وأن الشعوب، مهما طال إخضاعها، تعود يومًا لتفرض حضورها خارج حسابات الخرائط المصنوعة في غرف القوة.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
