يُعدّ إغلاق مضيق هرمز الجانب الأكثر تأثيرًا في الحرب على بقية العالم. فهذا الممر المائي الدولي الضيّق، الذي يمرّ عبره عادةً نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال عالميًا، بات الآن تحت السيطرة الإيرانية. وقد تراجعت حركة ناقلات النفط بشكل كبير، وهو ما يفسّر، أكثر من أي عامل آخر، الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز نتيجة انخفاض المعروض العالمي.
تسمح إيران فقط بمرور السفن التي تنقل نفطها وغازها إلى الصين وتركيا وباكستان والهند. في المقابل، توقّفت شحنات الدول الأخرى المنتجة في المنطقة والمتجهة إلى أوروبا وآسيا. وإذا استمر هذا الواقع، فإنه سيشلّ اقتصادات الدول المجاورة لإيران، ويؤدي إلى موجات تضخّم وركود في العديد من البلدان، فضلًا عن نقص حاد في الغذاء عالميًا نتيجة تراجع توفر الأسمدة.
طرحت الولايات المتحدة خطة غامضة لمرافقة السفن عبر المضيق، وسعت إلى إشراك حلفائها في تنفيذها. إلا أن الرد، كما كان متوقعًا، جاء برفض واضح، وهو ما يعكس، إلى حدّ كبير، غياب التشاور الذي سبق هذه الحرب، بالإضافة إلى استياء أوروبي من سياسات أخرى مرتبطة بإدارة ترامب، لا سيما الرسوم الجمركية وضعف الدعم لأوكرانيا، والتي اعتُبرت مؤشرًا على سوء معاملة الحلفاء.
كما يعكس تردّد الحلفاء في المشاركة في حماية الملاحة في مضيق هرمز شكوكًا بشأن جدوى المهمة نفسها. فحماية ناقلات النفط وسفن الشحن تعني تعريض القطع البحرية وأطقمها لمخاطر مباشرة، ما يجعلها عرضة لهجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية والزوارق السريعة والألغام والصواريخ. كما تتطلب العملية نشر عدد كبير من السفن والطائرات لمرافقة الناقلات. وحتى في حال نجاحها، فإنها لن تسمح إلا بمرور كمية محدودة من النفط إلى الأسواق العالمية. وباختصار، فإن جهدًا كبيرًا ينطوي على مخاطر وتكاليف عالية لن يحقق نتائج تُذكر.
خيار آخر قيد النقاش يتمثل في السيطرة على جزيرة خرج، الواقعة عند الطرف الشمالي للخليج العربي، والتي تُستخدم كمحطة التصدير الرئيسية لإيران للنفط والغاز الطبيعي المُسال. غير أن السيطرة على هذه الجزيرة والاحتفاظ بها تُعدّ عملية عسكرية معقدة تتطلب نشر قوات برية أميركية، ما سيُثير جدلًا سياسيًا داخليًا إضافيًا، لا سيما في ظل الاستياء الكبير من الحرب. كما أن وقوع خسائر بشرية سيكون أمرًا شبه حتمي، وستؤدي العملية إلى استنزاف إضافي في مخزون الصواريخ الأميركية. وقد تدفع كذلك إلى تعزيز التأييد الشعبي للنظام داخل إيران، كما قد تُفسَّر على نطاق واسع، داخل إيران وخارجها، كمحاولة أميركية للاستيلاء على النفط الإيراني.
ثمة خيار ثالث يتمثل في إدراج مسألة فتح مضيق هرمز ضمن مفاوضات أوسع تهدف إلى إنهاء الحرب. غير أن المشكلة تكمن في أن مثل هذه المفاوضات ستستغرق وقتًا طويلًا، نظرًا لأنها ستشمل قضايا خلافية متعددة، مثل وقف إطلاق النار، والبرنامج النووي الإيراني، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ودعم إيران لوكلائها، فضلًا عن مطالب طهران بالتعويضات ورفع العقوبات، وانسحاب القوات الأميركية من المنطقة.
إضافة إلى ذلك، فإن إجراء مفاوضات في ظل استمرار إغلاق المضيق يمنح إيران ورقة ضغط إضافية لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات. كما أن سياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل بحق قادة إيرانيين بارزين جعلت أي مسار تفاوضي أكثر تعقيدًا. ومع مرور الوقت، تتزايد كلفة إغلاق المضيق اقتصاديًا، وهو ما لا يصب في مصلحة الولايات المتحدة.
لكن هناك خيارًا آخر ينبغي التطرق إليه. من حيث المبدأ، يمكن للولايات المتحدة إنهاء مشاركتها في الحرب وترك مسألة المضيق للآخرين. وقد نشر ترامب تصريحًا بهذا المعنى. غير أن إعلان “إنجاز المهمة” لا يجعل الأمر واقعًا. فالولايات المتحدة لن تكون بمنأى عن التداعيات الاقتصادية العالمية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، كما أن ترك الحلفاء والشركاء يواجهون تداعيات سياسات لم يكن لهم دور في صياغتها سيقوّض ثقتهم في مصداقية الولايات المتحدة، وقد يؤدي إلى زيادة النزاعات، وتوسّع النفوذ الصيني، وانتشار الأسلحة النووية.
في ظل هذه المعطيات، حان الوقت للنظر في مقاربة بديلة لفتح المضيق. ينبغي على الولايات المتحدة (ويُفضَّل بدعم سياسي وعسكري من الحلفاء في المنطقة وأوروبا وآسيا، وهو دعم مرجّح في ظل حجم انعدام الأمن الطاقوي لديهم) أن تعتمد سياسة يمكن تلخيصها بعبارة: “مفتوح للجميع أو مغلق أمام الجميعط.
بموجب هذه السياسة، ستعلن الولايات المتحدة وشركاؤها أنه لن يُسمح لأي ناقلة نفط إيرانية بالوصول إلى وجهتها في أي دولة، ما لم تتراجع إيران عن تهديداتها وهجماتها على السفن التجارية التي تعبر المضيق. بمعنى آخر، لا يمكن لإيران أن تختار من يحق له الحصول على نفط المنطقة ومن يُحرم منه.
يتطلب تنفيذ هذه السياسة إنشاء خط دفاعي فعّال عبر بحر عُمان الممتد لنحو 200 ميل. وسيستلزم ذلك نشر سفن وطائرات وطائرات مسيّرة تعمل خارج نطاق المضيق. كما سيتطلب الأمر وجود حاملة طائرات وإمكانية استخدام قواعد عسكرية محلية. وسيتم تعطيل أي سفينة تجارية ترفض الامتثال للتوقف عند هذا الخط، مع إبلاغ الحكومات المالكة للسفن أو المستوردة للشحنات مسبقًا بهذه السياسة الجديدة.
يمكن لسياسة “مفتوح للجميع أو مغلق أمام الجميع” أن تحشد دعمًا دوليًا واسعًا، نظرًا لأنها تستند إلى مبدأ إبقاء ممر مائي دولي مفتوحًا بما يخدم مصالح الجميع تقريبًا. كما أنها لن تزيد من حجم الدمار المرتبط بالحرب، بل ستكون أقل تعقيدًا وخطورة من خيار مرافقة الناقلات داخل المضيق أو احتلال جزيرة خرج. ومن المرجّح أن تمارس الدول التي تستورد الطاقة من إيران، مثل الصين والهند وباكستان وتركيا، ضغوطًا على طهران لوقف تهديداتها، خشية أن تتضرر أكثر. وفي حال رفضت إيران، فإنها ستجد نفسها أكثر عزلة. كما أن هذه السياسة ستحرمها من مصدرها الأساسي للإيرادات، ما يزيد من الضغوط الداخلية عليها للقبول بوقف إطلاق النار أو مواجهة تحديات أكبر للنظام.
تتمثل المخاطرة في أن هذه المقاربة قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط. غير أن هذا الارتفاع يُفترض أن يكون محدودًا، نظرًا لأنه سيقتصر على إخراج كميات الصادرات الإيرانية، وهي أصلاً محدودة نسبيًا، من السوق العالمية. وقد تهدّد إيران بمهاجمة منشآت الطاقة في دول أخرى، لكنها تقوم بذلك بالفعل. كما يمكن تحذيرها من أن أي تصعيد من هذا النوع سيعرّض بنيتها التحتية للطاقة، التي لم تستهدفها الولايات المتحدة بشكل مباشر حتى الآن، للخطر. وقد تؤدي هذه السياسة إلى تعقيد العلاقات الأميركية–الصينية، إلا أن ذلك يمكن احتواؤه عبر القنوات الدبلوماسية.
وكما هو الحال دائمًا، فإن مثل هذا المقترح لا يأتي بضمانات. فقد تصمد إيران في وجه الضغوط. لكن سياسة “مفتوح للجميع أو مغلق أمام الجميع” تبقى خيارًا أفضل من البدائل، سواء من حيث الكلفة أو من حيث قدرتها على تسريع إنهاء الحرب والحد من تداعياتها الاقتصادية. وإذا لم تنجح، تبقى الخيارات الأخرى قائمة. أما في الوقت الراهن، فقد يكون إغلاق مضيق هرمز هو السبيل الوحيد لإعادة فتحه.
ترجمة بتصرف
بقلم / ريتشارد هاس – الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
