مشروع الحرية والمهمّة الإنسانية في هرمز

ليست غريبةً تلك النسائم الروحانية التي تفوح من تصريحات ترامب حول إنسانية الهدف، الذي اتخذ من نصرة المظلوم خطًّا للسير في عملية فتح مضيق هرمز. ولم تكن هذه النسائم وحيدة؛ فقد سبقتها كثيرات، كان آخرها تصريحاته فور انتهاء ما عُرف بـ«محاولة الاغتيال».

في عقيدتنا، يلجأ التاجر إلى ارتداء ثوب المحبة، والارتباط بما وراء المحسوس حين يريد تسويق بضاعته. وليست أيّة بضاعة، بل تلك الفاسدة أو الكاسدة. لم تُمكِّن فرص التربّص ترامب من القضاء الفوري على النظام الإيراني؛ حتى امتدت هذه الفرص إلى حيّز زمني أثار من تحته بركانًا سياسيًا فوق زلزال الاقتصاد، الذي سيطر على تفاصيل المشهد الأميركي والعالمي معًا. واضطر ترامب، في نهاية مدة الجدل حول أحقيته بالاستمرار في العملية العسكرية، إلى محاولة إجراء مناورة تمكّنه من متابعة لعبة «التخندق في الخفاء» والتربّص هذه، معلنًا انتهاء عمليته أمام الكونغرس، ليتخلّص بذلك من نقرات ساعة التوقيت التي يضغط بها خصومه عليه.

هذا الإجراء—وفقًا لخطة أعدّتها اللحظات الأخيرة التالية لإخفاقات متعددة—يمكّنه من الانتقال من وضعية المهاجم المُلام إلى وضعية المدافع المحمود، حين تبقى إمدادات الآلة العسكرية في حالة استمرار، متزامنةً مع وقف عدّاد الضغط السياسي الداخلي بفعل العوامل سابقة الذكر، مضافًا إليها جبهته الجديدة التي فجّرها خصمه الديمقراطي في منطقتنا، والتي لم تكن في حسبانه، لا من حيث الشكل ولا من حيث الترتيب. وسنترك تفصيلها إلى موضع آخر.

اقتضت عملية الدخول في مهمة الدفاع أن يكون هناك بدء هجوم إيراني، وهو الهجوم الذي حرصت إيران على حرمان ترامب منه، كي لا تمنحه ذريعة الاستمرار، بل وعطّلت جميع محاولاته للتضييق عليها في قضية الحصار، حين راحت تراوغه بأطروحات تفاوض مرفوضة لدى الإيرانيين أنفسهم قبل الأميركيين. غير أنها كانت تُشاغل خصمها، وتستنزف قدرته على تحمّل الحصار، الذي بات يجعل أوروبا أقرب إلى إيران منها إلى الولايات المتحدة، ولو ضمن حدود حسابات معينة.

هذه العوامل وغيرها دفعت إلى تمرير الزيت عند تخوم النار، في خطوة تهدف—من وجهة نظر ترامب—إلى دفع أوروبا إلى تغيير موقفها. وقد حاول ترامب الضغط من عدة جهات، كان آخرها إعلان سحب جزء من القوات الأميركية من ألمانيا، وسبق ذلك التهديد بالانسحاب من حلف «الناتو»، وهو تهديد غير جاد بطبيعة الحال، لأن هناك حسابات تضمن بقاء تهديداته ضمن إطارها. يُضاف إلى ذلك الإهانات التي وجّهها المستشار الألماني، والتي ألمح فيها إلى «إذلال إيران للولايات المتحدة». ولا يتوقف اتجاه الضغط هذا عند أوروبا، بل يتعداه إلى حسابات الصين وروسيا، عبر رفع هامش الربح في صفقة محتملة مع ترامب تُفضي إلى سحب تأييدهما لإيران. وفي الوقت ذاته، يدرك ترامب أن صفقات متعددة الاتجاهات كهذه لن تضمن له نتيجة جيدة، نظرًا إلى تباين قدرة التأثير التي تخلّفها انقلابات حلفاء إيران عليها، مقارنةً بحالات أخرى، كنظام الأسد مثلًا، وهي الفكرة نفسها التي تدور في أذهان هؤلاء الحلفاء.

سنختم بالإشارة إلى إخفاق آخر يبدو أن ترامب لم ينجح في تجاوزه، وهو مرتبط أيضًا بالجانب الأوروبي، من حيث رسم صورة قاتمة لمحاولة تركه وحيدًا. وقد تمثل هذا الإخفاق في نتائج المكالمة الأخيرة بين بوتين وترامب، التي تبيّن منها أن ملامح مفاوضات حول صفقة ما بينهما بدأت تظهر إلى العلن، غير أن خلافًا على بعض التفاصيل لا يزال يعرقل تغيير مسار الأحداث بشكل كبير. وفي ما يتعلق بـ«فزّاعة أوروبا» في هذا الاتصال، يمكن الإشارة إلى تأكيد ترامب أن أوكرانيا قد هُزمت عسكريًا من قبل الجيش الروسي، في صورة تضع تضحيات الأوروبيين من أجل صمودها كحليف في مهبّ الريح.

أما من جهة إيران، فقد بدا أن الصفقة، وإن بدأت تسير بشكل جيد، لا تزال تقف عند حدود، لا سيما مع حرص الجانب الروسي—الذي قدّم قدرًا محدودًا من الدعم لإيران، ربما في مجالات الاتصال والاستخبارات وتطوير المسيّرات والدفاعات الجوية المحمولة—على تحقيق عائد أكبر، سواء من النظام الإيراني إن بقي، أو من الولايات المتحدة في حال إتمام الصفقة. وقد ألمح ترامب إلى أن الصراعين في أوكرانيا وإيران سينتهيان تقريبًا في الفترة نفسها. وقد لا يكون جادًا في ذلك، بل ربما أراد إطلاق تحذير لإيران وأوروبا معًا، مفاده أن الأمر بات في يده. ونحن لا نتفق مع اعتبار الغموض والتكتيك في تصريحات ترامب فنًّا من فنونه، بل نراه تعبيرًا واضحًا عن حالة التيه التي ولّدها تسرّعه، الممزوج باضطراب معلوماته الاستخباراتية وضعف فريقه.

انطلاقًا من هذه الاعتبارات وغيرها، لم تغب «مهمة الإنسانية» هذه عن أهدافها الاستخباراتية، التي سعت من خلالها إلى فهم أعمق لعناصر إخفاقاتها السابقة. وبالنظر إلى ما أشرنا إليه سابقًا من عدم دقة المعلومات الاستخباراتية، بل وتخبّطها، يبدو أن الهدف الاستخباراتي الأول من هذه العملية—والذي يفترض أن يخدم عملية فاصلة تسبقها جهود تربّص جديّة مستفيدة من أخطاء الماضي—يكمن في الحصول على معلومات من الداخل، أي من أماكن احتجاز السفن، عبر طواقمها، بالإضافة إلى زرع أجهزة بشرية وتقنية تخدم مهمة كهذه، وهي معلومات لم تتمكن الأقمار الصناعية الأميركية ولا عناصر الاستخبارات من الحصول عليها حتى الآن.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.