بين لبنان والإمارات… هل تمرّ إسرائيل من بوابة التأشيرات الإلكترونية؟

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من عام 2021 سحب دبلوماسييها من لبنان وإغلاق سفارتها، ومنع مواطنيها من السفر إليه، وذلك احتجاجاً على تصريحات وزير الإعلام اللبناني آنذاك جورج قرداحي بشأن الأزمة اليمنية، والتي اعتُبرت مسيئة للمملكة العربية السعودية.

وفي الرابع من شهر أيار (مايو) 2025، أعلنت دولة الإمارات إلغاء القرار والسماح لمواطنيها بالسفر إلى لبنان، ولكن ضمن شروط، من بينها التسجيل في خدمة «تواجدي» قبل السفر، لضمان التواصل الفعّال.

في الأسبوع الثالث من شهر أيلول (سبتمبر) 2025، تناقلت عدة مواقع إخبارية وإعلامية، إضافة إلى صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، خبراً مفاده أن دولة الإمارات العربية المتحدة أصدرت قراراً يشمل تعليق طلبات تأشيرات الزيارة وتصاريح العمل لمواطني تسع دول آسيوية وأفريقية، هي: أفغانستان، بنغلاديش، اليمن، لبنان، السودان، الصومال، أوغندا، الكاميرون، وليبيا. ولم يُرفق هذا الإجراء بأي جدول زمني لرفع الحظر أو إعادة فتح باب التقديم أمام مواطني هذه الدول.

اللافت أنه لم يصدر عن وزارة الخارجية الإماراتية أو عن الجهة الحكومية المختصة (الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ) أي بيان رسمي يؤكد أو ينفي صحة هذا الخبر. لكن ما هو مؤكد أن عدداً من طلبات التأشيرة لبعض اللبنانيين تم رفضها في بعض الإمارات، كما تمت الموافقة على طلبات أخرى في إمارات مختلفة، وذلك بحسب ترابط العلاقة العائلية أو لغرض الدراسة أو الاستشفاء.

في الرابع من شهر شباط (فبراير) 2026، تناقلت العديد من الصحف المحلية، وكذلك عدد من المواقع الرسمية الإماراتية، خبراً مؤكداً مفاده أن الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية والجمارك وأمن المنافذ ستفتتح قريباً مركزاً خاصاً لإصدار التأشيرات الإلكترونية في العاصمة اللبنانية بيروت. وتُعدّ هذه الخطوة بحد ذاتها مهمة من حيث إعادة هيكلة عمل الهيئة، كما من شأنها الحد من البيروقراطية عبر الانتقال إلى تفعيل الإجراءات الحكومية ورقمنتها، وتقليل مدة رحلة المتعامل لإنجاز إجراءات التأشيرة في مكان واحد.

ولكن، من البديهي أن يطرح هذا التطور عدة أسئلة مشروعة:

هل يأتي افتتاح هذا المركز تجسيداً للعلاقات الثنائية وتوطيداً للعلاقات الأخوية التي تجمع دولة الإمارات بالجمهورية اللبنانية؟

هل يشير ذلك إلى تحسن جزئي أو تفاوضي في العلاقات الثنائية نتيجة نجاح مباحثات سرية أو علنية بين البلدين، أفضت إلى تهدئة أو اتفاق على قضايا خلافية كالأمن، أو استجابة لشروط سياسية؟ (ومن المعروف أن علاقات خاصة تربط بين دولة الإمارات والعدو الإسرائيلي، بدأت سرية مع نهاية عام 2002، ثم تكشفت في الربع الثالث من عام 2007 مع بروز شركات صناعات عسكرية وحلول أمنية وتكنولوجية في الإمارات، منشؤها الأساسي الولايات المتحدة وسويسرا، مثل:

– IGG “International Golden Group” – USA/UAE، ومهمتها الأساسية تسليح المعارضة في سوريا لإسقاط النظام.
– AGT International – USA/Switzerland، والتي عملت في الإمارات تحت اسم ATS/AIS حتى حلّها عام 2016).

ومن ثم ظهرت هذه العلاقات إلى العلن في عام 2015 مع افتتاح الكيان الإسرائيلي بعثة دبلوماسية رسمية للوكالة الدولية للطاقة المتجددة في أبو ظبي، قبل أن تصل إلى التطبيع الشامل بمباركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الخامس عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام 2020.

هل يمكن أن يرتبط هذا القرار باعتبارات اقتصادية واستراتيجية، كوجود استثمارات أو شراكات في موارد طبيعية، أو تسهيلات لمجموعات مستهدفة مثل رجال الأعمال أو الطلاب أو العمالة الماهرة، وليس لعامة المواطنين؟ (لا سيما إذا أُخذ بعين الاعتبار أن السفير السابق للبنان في الإمارات، فؤاد شهاب دندن، الذي انتهت مهامه في شهر تموز (يوليو) عام 2025، يشغل حالياً منصب نائب الرئيس والمدير الإقليمي في لبنان لمجموعة موانئ دبي العالمية).

هل يجوز أن تكون دولة الإمارات قد أعادت تقييم المخاطر الأمنية ووجدت أن اللبنانيين، أو بعضهم، لا يشكلون تهديداً لأمنها، أو أنها ارتأت تفعيل آلية مراقبة أفضل عبر التأشيرات الإلكترونية، بما يسمح بجمع بيانات دقيقة ومراقبة المسافرين بشكل منظم، يجعلها بديلاً أكثر أماناً من المنع الكامل، إضافة إلى مشاركة تلك البيانات مع بعض الدول التي تربطها بها مصالح استراتيجية، لا سيما الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي؟

هل يمكن أن تكون الإمارات قد تعرضت لضغوط من حلفائها أو عبر منظمات دولية لإنهاء هذا القرار؟ أم أنها تعتمد سياسة العصا والجزرة كمكافأة على سلوك إيجابي من لبنان، أو لدفعه إلى توقيع اتفاقيات معينة؟

هل يشكل هذا القرار اختباراً للنوايا قبل اتخاذ خطوة أكبر؟ أم محاولة لتخفيف التوتر ولكن بشكل متحكم به، يسمح بالسيطرة على عدد ونوعية القادمين إلى دولة الإمارات؟

وهل تم اعتبار لبنان أقل خطورة أو أكثر أهمية من غيره من الدول المدرجة على قائمة الحظر؟ ولماذا لم يتم اتخاذ هذه الخطوة وافتتاح مركز مماثل في جمهورية مصر العربية، التي يزيد عدد مواطنيها في الإمارات عن 750 ألفاً، أو في المملكة الأردنية الهاشمية، أو في سوريا؟

في الخلاصة، لا يعني هذا القرار عودة العلاقات إلى طبيعتها، وقد يكون مؤقتاً وقابلاً للعكس بحسب النتائج، لكنه في الأساس أداة سياسية ذكية للتحكم في التدفق البشري. ومن هنا، تبرز أهمية مراقبة الشروط المرتبطة بالتأشيرة الإلكترونية وتداعياتها الفعلية على المدى القريب والمتوسط.

مقالات الكاتب

د. فراس فرح

كاتب متخصص في الشؤون الدولية. حائز على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية.