في عالمٍ يتغير إيقاعه بسرعة تفوق قدرة معظم دول المنطقة على التقاط أنفاسها، يجد لبنان نفسه اليوم على خط الزلازل الذي يمتد من طهران إلى المتوسط، حيث تتراكم الضغوط الأميركية والإقليمية بشكل لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الأهلية. ومع اقتراب المهلة التي حدّدتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنزع سلاح حزب الله، يعود السؤال الأكبر إلى الواجهة: هل ما يجري مجرد ضغط سياسي أم مقدمة لسيناريوهات أكثر خطورة؟
ضغط بلا غطاء… ودولة تبحث عن توازن مستحيل
منذ إعلان واشنطن مهلة زمنية للتعامل مع ملف سلاح حزب الله، بدأت القوى الدولية تتصرف وكأنها أمام فرصة لإعادة ترتيب موازين النفوذ في لبنان. الإدارة الأميركية ترى في سلاح الحزب امتدادًا مباشرًا للنفوذ الإيراني، بينما تعتبره طهران جزءًا من منظومة الردع التي بنتها على مدار عقود.
لكنّ التطورات الميدانية الأخيرة، خصوصًا الهجوم الذي استهدف مخيم عين الحلوة وتصفية شخصيات محسوبة على الحزب داخل دائرة نفوذه الأمني والسياسي، أثارت تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يتحرك في إطار ضغوط أوسع. كثير من المراقبين رأوا أن ما حدث ينسجم مع رغبة واشنطن في تفجير حلقات نفوذ الحزب من الداخل، بينما يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك: اعتبار العملية رسالة غير معلنة، وربما ضوءًا أخضر أميركيًا — متأثرًا بخطاب ترامب وضغوطه — لتغيير قواعد الاشتباك داخل لبنان.
لبنان الرسمي، بضعفه البنيوي وانقسام نخبه السياسية، يحاول أن يقدّم نفسه وسيطًا داخل أرضه، لا طرفًا قادرًا على فرض معادلاته. وهنا تتجلّى المعضلة: الدولة تُطالَب بقرار أكبر من قدرتها، والحزب يواجه ضغطًا يتجاوز أراضيه بكثير.
المهلة الأميركية… اختبار لإيران لا للبنان
عمليًا، تعرف واشنطن أن بيروت لا تملك صلاحية ولا قدرة على تنفيذ ما تطالب به. وبالتالي، فإن المهلة الأميركية ليست موجهة إلى لبنان بقدر ما هي رسالة إلى إيران في لحظة إقليمية مضطربة: مفاوضات نووية مجمّدة، تحولات في الخليج، واستقطاب دولي بين واشنطن وبكين وموسكو.
واللافت أن العمليات الأمنية داخل لبنان — ومنها ما جرى في عين الحلوة — تأتي كأنها جزء من مناخ الضغط الأميركي، لا مجرد أحداث معزولة. فهي تضرب خطوط الإمداد، وتستهدف البنية الأمنية غير الرسمية، وتبعث برسالة مفادها أن الوقت ينفد، وأن الساحة اللبنانية لم تعد مغلقة كما كانت.
الحزب بين الردع والخيار المستحيل
حزب الله يدرك أن أي خطوة باتجاه نزع سلاحه خارج معادلة تفاوض إقليمي شامل تعني خسارة جوهر دوره. السلاح بالنسبة للحزب ليس ملفًا داخليًا، بل جزءًا من استراتيجية أمنية مرتبطة بما تسميه إيران “محور المقاومة”.
ولذلك، ينظر الحزب إلى ما جرى في عين الحلوة كضربة تحمل أبعادًا تتجاوز حدود المخيم، لأنها تفتح بابًا لمرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة. فـإذا كانت واشنطن تستخدم العقوبات والضغوط السياسية، فإن عمليات من هذا النوع قد تكون إحدى أدوات “الضغط الميداني” لتسريع ساعة التفاوض.
المشهد الإقليمي: ما بعد غزة… وما قبل التسوية
الضغوط الأميركية تأتي في لحظة تبحث فيها القوى الإقليمية عن مخرج من تداعيات حرب غزة، بينما تحاول إسرائيل إعادة تعريف أمنها القومي بعد الهزات العميقة في الداخل. وهنا يصبح ملف حزب الله عنصرًا أساسيًا في أي تسوية مقبلة، إذ لا يمكن القفز فوق دوره العسكري والسياسي في لبنان وسوريا.
الهجوم على عين الحلوة يدخل بدوره في هذه الحسابات؛ فهو يحاكي رغبة بعض القوى في اختبار مدى قدرة الحزب على الدفاع عن نفوذه داخل العمق اللبناني، وليس فقط على الحدود الجنوبية. وكل ذلك يحدث بينما تراهن طهران على أن الوقت يعمل لصالحها، وأن واشنطن غير مستعدة لفتح جبهة صريحة في لبنان.
إلى أين يتجه لبنان؟
لبنان اليوم أمام ثلاثة احتمالات رئيسية:
- استمرار الضغط دون انفجار كبير، وهو ما يفضله الأوروبيون خشية فوضى جديدة على ساحل المتوسط.
- تسوية إقليميّة تشمل ملف الحزب، وهو الاحتمال الأطول زمنًا والأكثر تعقيدًا.
- تصعيد ميداني محدود يُستخدم كورقة ضغط — كما في عملية عين الحلوة — لإعادة رسم توازنات جديدة.
لكنّ الحقيقة الأهم هي أن لبنان، الذي كان يومًا لاعبًا يعكس توازنات الشرق، أصبح ساحة تختبر عليها القوى الكبرى رسائلها المتبادلة. ومع اقتراب نهاية المهلة الأميركية شكليًا، وبقاء ضغوطها فعليًا، يتحول ملف سلاح حزب الله إلى جزء من معركة أوسع على شكل الشرق الأوسط القادم. أما العمليات الميدانية — من عين الحلوة إلى الحدود — فهي ليست سوى وجه آخر للضغط نفسه، وجرس إنذار بأن الساحة اللبنانية دخلت مرحلة عنوانها: الوقت يضيق… والمواجهة تنتظر من يخطئ التقدير.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
