منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لم يعد الشرق الأوسط كما كان قبله. فذلك الحدث لم يؤدِّ فقط إلى إسقاط النظام السياسي في بغداد، بل أطلق سلسلة من التحوّلات الاستراتيجية التي امتدّت آثارها إلى مختلف أنحاء المنطقة، وغيّرت طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية لعقود لاحقة. وبينما انشغلت القوى الدولية بالتعامل مع تداعيات الحرب وتكاليفها السياسية والعسكرية والاقتصادية، فرض الواقع الإقليمي الجديد على صنّاع القرار الانتقال نحو رؤية تقوم على حقيقة بنيوية، وهي أنّه لا يمكن فهم أزمات الشرق الأوسط أو تفكيكها باعتبارها ملفات منفصلة، لأنّ المنطقة تشكّل منظومة جيوسياسية شديدة الترابط، تتأثر عناصرها بعضها ببعض بصورة ديناميكية ومستمرة.
لقد ساد لفترة طويلة اعتقاد في دوائر التخطيط الاستراتيجي الأميركية بأنّ أزمات المنطقة يمكن عزلها وتقسيمها إلى ملفات مستقلة، كالملف العراقي، والملف الإيراني، والقضية الفلسطينية، والأزمة اللبنانية، ومسائل الأمن الخليجي. غير أنّ الأحداث المتلاحقة أثبتت أنّ هذا التصوّر يفتقر إلى الواقعية الاستراتيجية والسياسية. فالحرب في العراق لم تبقَ داخل حدوده، بل أعادت صياغة توازن القوى في الخليج، وسمحت بصعود نفوذ قوى إقليمية أثّرت في الحسابات الأمنية عبر جبهات متعدّدة، كما أعادت تشكيل شبكة العلاقات والتحالفات الدولية.
ولعلّ أبرز ما نتج عن مرحلة ما بعد العراق كان التحوّل الجذري في ميزان القوى الإقليمي. فالإدارة الاستراتيجية لإيران، التي كانت تواجه ضغوطًا من جوارها، وجدت في البيئة الجديدة فرصة لتعزيز نفوذها عبر بناء «محور ممتد» يربط طهران ببيروت مرورًا ببغداد ودمشق، والاعتماد على شبكات مسلّحة في هذه الدول، باتت تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية تضاهي، في بعض جوانبها، الجيوش النظامية.
وفي الوقت نفسه، بدأت تركيا انتهاج سياسة خارجية أكثر استقلالية وحضورًا، استنادًا إلى ثقلها الجغرافي والاقتصادي، بينما سعت دول الخليج العربي إلى تغيير عقيدتها الدبلوماسية والدفاعية، فلم تعد تكتفي بالاعتماد على المظلّات الأمنية التقليدية، بل تحوّلت إلى «قوى متوسطة حازمة»، تقود مبادرات سياسية واقتصادية مستقلة، وتصوغ تحالفات مرنة تتجاوز الاصطفافات القديمة لحماية أمنها القومي.
أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها أمام مشهد يتراجع فيه التهديد الكلاسيكي المتمثل في الجيوش النظامية، في مقابل صعود تحديات الحروب الهجينة، والتهديدات الصاروخية، والمسيّرات العابرة للحدود، ما جعل عمقها الأمني مكشوفًا بشكل مباشر.
هذه التحوّلات مجتمعة جعلت من المستحيل معالجة أي قضية بمعزل عن شقيقاتها. فالمفاوضات المتعلقة بالملفات الأمنية الكبرى، مثل البرنامج النووي، لا تنفصل عن أمن المضائق البحرية الحيوية، كباب المندب ومضيق هرمز، ولا عن التوازنات العسكرية في غزة وسوريا ولبنان.
ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى تبنّي استراتيجيات شاملة تتعامل مع المنطقة كوحدة جيوسياسية مترابطة، بدل الاكتفاء بردود أفعال متفرقة وسياسات «إطفاء الحرائق» تجاه الأزمات المتلاحقة.
ولا تقتصر أهمية هذه الرؤية على القوى الدولية، بل تمتد إلى دول المنطقة نفسها. فالواقع أثبت أنّ الأمن لم يعد مفهومًا محليًا خالصًا، بل أصبح محكومًا بظاهرة «عولمة الأزمات المحلية». فالأزمات الاقتصادية، والهجرات الجماعية، والتحديات البيئية المتمثلة في الشحّ المائي والتغيّر المناخي، كلها ظواهر تتجاوز الحدود الوطنية وتكشف عجز الدولة الوطنية، بمفردها، عن مواجهتها. ولذلك، فإنّ أي مشروع للاستقرار الإقليمي لا بد أن يقوم على إدراك أنّ «الأمن الكلّي لا يتجزأ»، وأنّ الفشل في منظومة التنمية أو المنظومة الأمنية في دولة ما، سرعان ما يصدّر أزماته إلى جاراتها.
لقد شهد الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين موجات متلاحقة من الصراعات والاضطرابات، من العراق إلى سوريا واليمن وليبيا، مرورًا بالأزمات المتكرّرة في فلسطين ولبنان. وفي كل مرة، كانت الأحداث تؤكد الفكرة الأساسية بأنّه لا توجد أزمة معزولة في الشرق الأوسط. فكل صراع محلي يحمل في داخله أبعادًا إقليمية ودولية، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التنافس الإقليمي على النفوذ، لتتقاطع في النهاية مع صراع القوى العظمى على المواقع الاستراتيجية وموارد الطاقة.
بناءً على ذلك، فإنّ أي تسوية محتملة لأي صراع جزئي تحتاج، بالضرورة، إلى هندسة معمارية شاملة تأخذ شبكة المصالح المتداخلة هذه في الاعتبار، وإلّا تحوّلت التسويات إلى مجرد هدن مؤقتة بانتظار جولات صراع جديدة.
فالشرق الأوسط لم يعد مجموعة ملفات متجاورة على خريطة واحدة، بل أصبح منظومة جيوسياسية مترابطة تعمل وفق مبدأ السلاسل المتصلة، حيث تنتقل تأثيرات القوة والاضطراب والتسويات من ساحة إلى أخرى، بصورة تجعل أمن المنطقة واستقرارها معادلة واحدة لا تقبل التجزئة.
ولذلك، فإنّ أي مشروع لبناء سلام مستدام أو نظام إقليمي متوازن لن ينجح ما لم ينطلق من فهم هذه الحقيقة الجوهرية: أنّ أزمات الشرق الأوسط، مهما بدت متباعدة جغرافيًا، هي في جوهرها فصول مختلفة لأزمة استراتيجية واحدة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
