اندفعت ألوية النخبة في الجيش الإسرائيلي نحو تضاريس جنوب لبنان الوعرة، مثقلة برهان استعادة صورة الردع التي تآكلت هيبتها تحت وطأة استنزاف الأشهر الماضية، وبمحاولة فرض واقع ميداني جديد يزيل التهديد عن حدودها الشمالية.
لكن الميدان لم يكن في انتظارهم بخرائطه التقليدية أو تكتيكاته الكلاسيكية، إذ سرعان ما اكتشف المهاجمون أن المواجهة قد تجاوزت حدود الاشتباك المباشر، لتتحول إلى نمط قتالي شديد التعقيد، يتغذى على الاستدراج والغرق في بيئة لا ترحم الغريب.
هناك، وسط الركام والقرى التي خلت من سكانها، اعتمد المقاتلون تكتيكاً عسكرياً مستوحى من أعقد صراعات العصر الحديث، متخلّين عن مفهوم الدفاع الثابت عن الأرض، لصالح ما يمكن وصفه بـ”الجغرافيا المتحركة”، وهي استراتيجية تمنح القوات المتقدمة وهم السيطرة في مساحات مفتوحة، قبل أن تُطبِق عليها كماشة الكمائن المعدّة سلفاً في زوايا ثاوية لا تلتقطها الرادارات.
وفي هذا المشهد الميداني المتحول، انقلبت موازين القوة التقنية رأساً على عقب، فأصبح التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، القائم على الرصد الجوي الكثيف والذكاء الاصطناعي، عبئاً ثقيلاً وسط الأزقة الضيقة والبيوت المدمّرة. ووجد الجندي الإسرائيلي نفسه في مواجهة عدو “شبح”، لا يملك مراكز أو نقاطاً قتالية ثابتة يمكن قصفها، بل يتحرك كجزء من البيئة الطبيعية، يضرب من مسافات قريبة جداً، ثم يختفي في باطن الأرض أو خلف جدار مهدّم.
هذا التحول العسكري تزامن مع سياسة “الأرض المحروقة” التي انتهجتها إسرائيل، حيث طالت الغارات الممنهجة البنى التحتية والجسور والمرافق المدنية، في محاولة لتفريغ الجنوب من أي مقوّم للحياة. إلا أن هذا الدمار، الذي استهدف كسر إرادة المقاومة، انقلب إلى ميزة دفاعية، إذ تحولت كتل الإسمنت المنهارة والقرى المدمّرة إلى سواتر وموانع طبيعية وحقول ألغام معقدة، تجعل من تقدّم دبابات “الميركافا” وناقلات الجند “نامر”، درع الجيش الإسرائيلي، مغامرة محفوفة بالمخاطر القاتلة.
غير أن التحدي الأكثر فتكاً الذي واجه هذا الزحف لم يأتِ من الخنادق الأرضية فحسب، بل من السماء التي أمطرت مسيّرات انتحارية من نوع FPV. هذه الطائرات الصغيرة والرخيصة، التي يتم التحكم بها عبر نظارات الواقع الافتراضي، نجحت في إعادة صياغة معادلة القوة الميدانية بفضل ارتباطها بأسلاك الألياف الضوئية، حيث أصبحت هذه المسيّرات محصّنة ضد أعقد منظومات التشويش الإلكتروني الإسرائيلية، ما يمنح المشغّل قدرة فائقة على المناورة والدخول من نوافذ الأبنية، أو الانقضاض على الفتحات الضعيفة في سقف المدرّعات.
لم تعد هذه المسيّرات مجرّد أداة إزعاج تكتيكي، بل صارت سلاحاً استراتيجياً يربك التحركات البرية، ويبطئ وتيرة التقدم، ويرفع كلفة العمليات العسكرية إلى مستويات تجعل المكسب الميداني ضئيلاً مقارنة بحجم الخسائر البشرية والمادية.
ومع محاولات إسرائيل الحثيثة ابتكار وسائل اعتراض دفاعية جديدة، تظل الفجوة قائمة أمام سلاح يجمع بين البساطة التقنية والفتك المركّز. ورغم أن هذه الضربات قد لا تحقق حسماً عسكرياً خاطفاً بالمعنى التقليدي، فإنها تفرض واقعاً نفسياً وسياسياً مرّاً، إذ تحوّل العمليات العسكرية إلى معركة استنزاف مفتوحة لا أفق زمنياً واضحاً لها.
وهكذا، يقف جنوب لبنان اليوم عند عتبة مرحلة مغايرة تماماً، تنصهر فيها روح “حرب العصابات” التقليدية بصلابة التقنيات السيبرانية، في مشهد يجسّد حروب الجيل الخامس، حيث تتلاشى الحدود بين الجيوش النظامية والمقاومة المسلحة، وتتحول فيه الأرض التي أرادها المحتل “منطقة عازلة” إلى كمين أبدي يستنزف نخبة قواته.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
