على الرغم من التصور الذي يقول إن الحرب قد انتهت، فقد بقيت إسرائيل مع سبع ساحات مفتوحة: غزة، ولبنان، وإيران، والعراق، واليمن، والضفة الغربية، وسورية. وإن خطوات إسرائيل في الساحة السورية معاكسة لسياسة قادة المعسكر المعتدل في الشرق الأوسط والنظام الدولي، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، 180 درجة، والأخطر من ذلك أنها تضر بتعزيز المصالح الأمنية لإسرائيل نفسها، التي بدلاً من استغلال الفرص التاريخية، فهي تنتج تحديات وتهديدات غير ضرورية، وقد تفتح جبهة لا حاجة إليها في هضبة الجولان السورية.
قبل نحو أسبوعين، أجرى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو زيارة معلنة إلى المنطقة العازلة في الجولان بمشاركة جميع رؤساء الأجهزة الأمنية، وخلالها، صب نتنياهو ماءً بارداً على جهود الرئيس ترامب لدفع اتفاق بين إسرائيل وسورية، كان الرئيس يأمل إغلاقه في شهر أيلول/سبتمبر، خلال الجمعية العامة في الأمم المتحدة. وبحسب ما نُشر، فإنه لم يتم التوصل إلى الاتفاق في النهاية، بصورة أساسية بسبب إصرار إسرائيل على السيطرة على ممر “إنساني” للدروز داخل الأراضي الخاضعة للسيادة السورية.
وبينما كان رئيس سورية، أحمد الشرع، يُستقبل قبل نحو شهر في زيارة تاريخية إلى البيت الأبيض في واشنطن، فقد كانت إسرائيل تصر على مواصلة سياسة القوة، وترسل جنوداً لاعتقال “إرهابيين” داخل الأراضي السورية. ولم يُظهر الاشتباك في بيت جن في سورية، الذي جُرح فيه 6 جنود، إمكان الانجرار والتورط هناك فقط، بل أيضاً جر ردّاً علنياً غاضباً من الرئيس ترامب، دعا فيه إسرائيل ونتنياهو في مكالمة هاتفية إلى “التزام الحوار مع سورية وعدم عرقلة تطوّر الدولة.”
النشاط في الجولان السوري يناقض المصلحة الأمنية
إن الوجود العسكري لإسرائيل في المنطقة العازلة في الجولان وفي قمة جبل الشيخ السوري لا يخدم حاجة أمنية دفاعية ملحّة وحيوية، ويزيد العبء على جنود الجيش في الخدمة النظامية والاحتياط، ويرسخ صورة إسرائيل، في نظر دول الشرق الأوسط كدولة عدوانية تسعى للتوسع، وتحول الانتباه إلى مسألة الجولان. وقد خدمت اتفاقيات الفصل التي صاغها هنري كيسنجر سنة 1974 بعد حرب يوم الغفران إسرائيل جيداً، ومكنت الجيش من الدفاع بفاعلية عن مستوطنات الجولان، وجعلت الحدود مع سورية من أهدأ الحدود طوال 50 عاماً.
خط 1974 هو خط ذو ميزة طبوغرافية مهمة، ومحصن جيداً بخنادق مضادة للدبابات ووسائل رصد ونيران. وإذا استخلص الجيش الدروس من 7 تشرين الأول/أكتوبر، فسيكون قادراً على صد أي تهديد على الجولان. وسيعيد وجود اتفاق أمني مع سورية تثبيت اتفاقيات الفصل، من دون إصرار سوري على التفاوض حول الجولان بالكامل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن نظام الشرع مستعد لتقييد إدخال قوات عسكرية وعتاد ثقيل إلى جنوب سورية، والعمل هناك ضد عناصر “الإرهاب” الذين قد يشكلون تهديداً على أراضي إسرائيل. وبدلاً من أن يطارد جنود الجيش “مخربين” داخل سورية، فستقوم بذلك قوات الأمن الداخلي التابعة للنظام السوري، الذي يسعى في أي حال لترسيخ الحوكمة والسيادة على أراضي الدولة بالكامل.
سيضع الاتفاق مع سورية نظام الشرع تحت الاختبار فيما يتعلق بإحباط تهديدات “الإرهاب” ضد إسرائيل من جهة، وقدرته على ضمان أمن الأقليات – الدروز والأكراد – من جهة أُخرى. وفي إطار ذلك، يمكن لإسرائيل أيضاً الإصرار على وجود ممر إنساني، غير ترابي، إلى منطقة السويداء. وبطبيعة الحال، تستطيع إسرائيل دائماً تعزيز منظومات الدفاع عن مستوطنات الجولان في أراضيها، والرد من داخل أراضيها على أي تهديد عليها أو على الدروز، كما فعلت، وخصوصاً من الجو، منذ أن تولى نظام الشرع الحكم.
هكذا سيُضعف الاتفاق مع الشرع حزب الله ويوقف إيران
على المستوى الاستراتيجي، فإن إغلاق الجبهة السورية باتفاق سيخفف العبء عن قوات الاحتياط المنتشرة في ساحات أُخرى، وسيسمح الاتفاق لإسرائيل بالتركيز على كبح تعاظم حزب الله مجدداً في لبنان، وفي ساحات أكثر اشتعالاً، وعلى رأسها غزة وإيران. علاوة على ذلك، وعلى أساس الاتفاق، فستتمكن إسرائيل من تجنيد الولايات المتحدة والعالم لزيادة الضغط على سورية ولبنان لترسيم الحدود بينهما، وإعادة منطقة مزارع شبعا إلى أصحابها السوريين، وبهذا ستُسحب من حزب الله ذريعة مركزية لمواصلة الاحتفاظ بسلاحه، وستزداد عليه الضغوط الداخلية لنزع سلاحه.
من المتوقَع أن يشمل الاتفاق مع سورية بنوداً تتعلق بمنع إعادة تموضع إيران في الدولة، وإغلاق حدود سورية – لبنان أمام تهريب السلاح إلى حزب الله، وهي مهام يعمل نظام الشرع على تنفيذها منذ هذه الأيام، وبنجاح غير قليل. ومن جهة أُخرى، فإن مواجهة مستمرة بين إسرائيل وسورية قد تُضعف دافع الشرع وتفتح لإيران فجوة للدخول منها. تأمل إيران وحزب الله أن يفشل الشرع وتعود سورية إلى الفوضى وتتفكك كي يعودا إلى التشبث هناك. ولدى إسرائيل مصلحة عميقة بألاّ يحدث هذا، ويجب عليها أن تصطف مع موقف ترامب والعالم العربي المعتدل، وأن تعطي فرصة إلى نظام الشرع. وإذا خيب النظام السوري الآمال وفشل، يمكن لإسرائيل العودة إلى التحرك داخل الدولة، بقدر أكبر من الشرعية، لضمان الحفاظ على مصالحها.
وإحدى الادعاءات الشائعة في العالم العربي، بما في ذلك بين أصدقائنا، والتي تتردد أيضاً في دوائر واسعة في الولايات المتحدة، هي أن إسرائيل تعمل لتوسيع حدودها (“إسرائيل الكبرى”) وأن سياسة استخدام القوة لديها عدوانية وغير منضبطة، لذا، سيسمح سحب قوات الجيش من سورية في إطار اتفاق أمني لإسرائيل بأن تُظهر لدول المنطقة أنه لا نية لديها للتوسع الإقليمي، وأنها مركّزة فقط على مصالحها الأمنية.
كما سيسمح الاتفاق لإسرائيل بالبدء بالتخلص من الصورة التي التصقت بها – والتي نسمعها مرة بعد مرة في لقاءات مع جهات إقليمية – كدولة “منفلتة، تسعى، إلى جانب إيران، لانعدام الاستقرار.” وبالإضافة إلى ذلك، فسيضخ الاتفاق طاقة ويدفع قدماً بجهود ترامب إلى تعزيز مسار التطبيع في المنطقة. وفي المحصلة، فإن الاتفاق مع سورية، الذي تعتبره الولايات المتحدة “ثمرة منخفضة يمكن قطفها بسهولة”، يمنح إسرائيل أقصى المكاسب في مقابل أقل الأثمان، والإصرار على جعل سورية عدوة، وملاحقة كل “مخرب” داخل أراضيها يقود إسرائيل إلى مسار خاسر بدلاً من استراتيجيا رابحة.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
