مَن المسؤول عن الحرب: الناس البسطاء أم «الرجل العظيم» نتنياهو؟

كانت عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي المرة الأولى التي تُقدم فيها إسرائيل علناً على إعدام زعيم دولة ذات سيادة. ومن الصعب المبالغة في حجم المخاطرة التي أقدم عليها بنيامين نتنياهو، إذ أشعل حرباً إقليمية وجرّ إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ودول الخليج العربية، كخطوة افتتاحية لحملته الانتخابية السادسة والعشرين للكنيست.

لكن هذه المرة، أخذ نتنياهو كل الفضل لنفسه. فعلى عكس تهرّبه السابق من تحمّل المسؤولية عن إخفاق السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حين ألقى اللوم حصراً على مرؤوسيه، أو تحفّظه عن تبنّي المسؤولية المباشرة عن الدمار الواسع الذي ألحقته إسرائيل بقطاع غزة، بدت معادلته هذه المرة بسيطة وواضحة: حجم المسؤولية التي يتحمّلها يتناسب طردياً مع شعبية النتيجة.

فهجوم «حماس» و«المجزرة» في غلاف غزة شكّلا الكارثة الأكبر في تاريخ إسرائيل، وتدمير غزة حظي بتأييد داخلي واسع، لكنه يُنظر إليه عالمياً بوصفه جريمة حرب. لذلك، كان من المريح سياسياً تقديمه كتعبير عن مشاعر انتقام لدى الجنود في الميدان، لا كسياسة موجهة من أعلى هرم السلطة. أمّا اغتيال خامنئي، بعد أسابيع قليلة من قتله آلاف المتظاهرين المعارضين لحكمه، فيُنظر إليه داخل إسرائيل كـ«خير مطلق»، وحتى في الغرب يصعب إدانته أخلاقياً.

وعبر قصف المجمع الرئاسي الإيراني صباح السبت، سدّ نتنياهو دَيناً عمره ستة أعوام للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لم يسامحه على تراجعه في اللحظة الأخيرة عن المشاركة في اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، مهندس «حلقة النار» حول إسرائيل. لكن، بعيداً من الحسابات السياسية والشخصية، فإن اغتيال خامنئي شكّل تجسيداً خالصاً لرؤية نتنياهو للعالم؛ فهو من أشد المؤمنين بـ«نظرية الرجل العظيم» التي صاغها المؤرخ الاسكتلندي توماس كارلايل في القرن التاسع عشر، والتي ترى أن التاريخ ليس سوى سيرة شخصيات كاريزمية استثنائية تشكّل الواقع بروحها وأفعالها.

يرى نتنياهو نفسه رجلاً عظيماً وفريداً، شبيهاً بـ«الإنسان الأسمى» عند نيتشه، وبأبطال آين راند (كاتبة أميركية من أصل روسي) المتحرّرين من قواعد «أخلاق العبيد» الخاصة بـ«الناس الصغار». ومن هنا تنبع محبته للإطراء والهدايا، وازدراؤه للقانون والقضاء، وإعجابه بقادة أقوى منه، مثل دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وإيلون ماسك، إضافة إلى خوفه الدائم من التعرّض للاغتيال، وانشغاله الهوسي بقتل قادة الأعداء. وقد ظهر ذلك بوضوح في البروتوكولات المنشورة حول السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وبلغ ذروته باغتيال حسن نصر الله وعلي خامنئي.

ويتفق خصوم نتنياهو معه ضمنياً؛ ففي نظرهم، تشكّل شخصيته المحرّك الأساسي لكل ما يحدث في إسرائيل، وإذا سقط من الحكم سيتحسّن كل شيء تلقائياً. وهم، مثله تماماً، لا يعيرون أهمية تُذكر للأيديولوجيا أو للجماهير، بل لقوة القائد الفرد فقط.

غير أن الناقد الأبرز لتوماس كارلايل كان ليف تولستوي، الذي صوّر في روايته «الحرب والسلام» نابليون كشخص جرفته أمواج الواقع بدلاً من أن يصنعها. وكما يُلقي جدعون ليفي بالمسؤولية الأخلاقية على الطيارين، لا على رئيس الوزراء الذي أرسلهم لقصف طهران، رأى تولستوي أن الحرب هي حصيلة أفعال أناس عاديين، وليست مجرد تعبير عن قرارات القادة. ومن وجهة نظره، فإن الطيارين الذين ألقوا القنابل على طهران يوم السبت، وحتى الفنيين الذين ركّبوها على الطائرات، هم من صنعوا الحدث فعلياً أكثر من قادتهم الذين تابعوا الهجوم من أعماق المقرات.

غير أن مقامرة رئيس الوزراء لا تقتصر على خوض الحرب بحد ذاتها، لأن مسارها ونتائجها لن يحددهما القادة في تل أبيب أو في البيت الأبيض فقط، بل أيضاً الجماهير في إسرائيل ودول المنطقة، الذين أُسنِد إليهم عملياً دور وقود المدافع والأضرار الجانبية.

فكلما طال أمد القتال وتراكمت الإصابات في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تآكل الدعم الشعبي للمواجهة مع إيران، وعندها قد يتبيّن أن تولستوي كان محقاً. أمّا إذا انتهت الجولة سريعاً، فسيركب نتنياهو موجتها بفخر إلى صناديق الاقتراع، ويثبت أن «نظرية الرجل العظيم» لا تزال سارية المفعول. حتى خصمه نفتالي بينيت قال إنه لم يشعر يوماً بفخر أكبر بكونه إسرائيلياً كما شعر بعد اغتيال خامنئي.

مقالات الكاتب

مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.