الإنترنت في يومنا هذا

 

أود في الواقع أن أتناول مسألة الإنترنت في يومنا هذا. فهي باتت في آن مشكلة عميقة داخل المجتمعات وإزاء سياساتها. كما أنها تمثّل مشكلة على المستوى الجيوسياسي أيضاً. إذ تستخدم الدول الإنترنت للتلاعب بالرأي العام في دول أخرى، سواء لإرغامها على تبديل سياساتها الخارجية أو لإثارة توترات داخلية تُضعف التضامن الوطني – وبالتالي الدول تلك نفسها.

مشكلة الإنترنت الجوهرية تكمن في إتاحته للاستخدام مجهول الهوية، حيث لا يمكن تحديد هوية المستخدم. لذلك، لا يواجه الأخير (أي المستخدم) خجلاً أو عواقب متّصلة بالكبرياء أو المكانة الاجتماعية. وهكذا، يمسي الناس أحراراً في التصرف كالأطفال حين يعتقدون أنهم بعيدون عن رقابة الآباء. علماً بأن الأطفال الذين يتصرفون بشكل غير لائق يُعاقَبون ويستخلصون العِبر. وهذا إنما يشكّل إطار حياتهم كونه يحدّد الطريقة التي ينظر بها آباؤهم إليهم – أو هكذا، على الأقل، يظن الطفل.

والحال أن الهوية المجهولة تقوّض أساس الكرامة الإنسانية: وهو الخوف من أن يتعرّض الإنسان للاحتقار. فهي تمنح الأخير الحرية لإظهار الجوانب الخبيثة الكامنة في دواخلنا جميعاً. في الحقيقة، قد نتواصل في خضم التفاعل البشري الطبيعي مع مجموعة صغيرة تعرفنا ونرغب في كسب رضاها. لكن على الإنترنت، يمكننا التعبير عن أشياء في أماكن متحضرة ستجعلنا مكروهين وغير مرغوب بنا اجتماعياً. لا بل أكثر من ذلك؛ فالإنترنت يسمح لذوي السلوكيات الخبيثة بالتجمع وتشكيل مجتمعات زائفة قائمة على الشر والخسة.

عندما أنشر كتاباً، يظهر إسمي مطبوعاً عليه، إلى جانب إسمَي محرّر الكتاب  ودار النشر. لذا، يجب علينا جميعاً أن نتحمّل عواقب ما أكتبه، وما سمح لي محرّري بعرضه، وما أتاحت دار النشر نشْره. فهناك عواقب للتهوّر أو للخطأ، وبالتأكيد هناك عواقب تجاه من يتصرّف بفساد أو تفاهة.

يقال إن الإنترنت مختلف، لكنه في جوهره ليس كذلك. فهناك ناشر، وهي الشركة التي تشغّل الأخير. وللناشرين التزام وحاجة لعدم نشْر المواد التي يعتبرونها تافهة أو ضارة. كما أن الحاجة لكسب المال تحرّكهم هي الأخرى. لكن في حالة العديد من المنصات على الإنترنت، فقد أنشئت شركة نشْر لا تتحمّل أي مسؤولية عما يُقال، ولا توفّر محرّراً، ناهيك بمنتديات لا تجرّ أي عواقب على مستخدميها.

إن مبدأ حرية التعبير، بالنسبة لي، مطلق سياسي. فالدستور لم يرِد أن تفرض الحكومة رقابة على أي شخص. لكن، على ما أعتقد، كان ثمة افتراض بأن الكلام تصاحبه عواقب اجتماعية. وفي حين يجب ألا تتحكّم الحكومة بالقدرة على التعبير، إلّا أن المجتمع يفعل ذلك.

لا يمكن للإنترنت أن يدافع عن نفسه استناداً إلى حرية التعبير لأنه انتهك المبدأ الجوهري وراءها: العواقب. وبشكل محدّد: الخجل والنفور الاجتماعي. فالإنترنت يدمّر الواقع الاجتماعي الذي كان يشكّل التوازن لحرية التعبير – وهو توازن غير كامل، بالتأكيد، لكنه كان صلباً. فإذا لم يكن باستطاعة أحد – سواء الناشر (الشركة التي أنشأت التكنولوجيا وتشغّل الموقع)، أو المحرر، أو الأصدقاء، أو العائلة – فرْض عقوبات عليّ تبعاً لما أعرضه على الإنترنت، فإن ذلك يقوّض جدوى المبدأ الدستوري الذي ينصّ على عدم جواز أن تنظّم الدولة قدرتي على التعبير.

بيد أن مشكلة الإنترنت يمكن حلّها بسهولة لو قام “مالكوه” بجعل تعريف المستخدم عن نفسه بطريقة ما (ربما عبر رخصة قيادة) – واستخدام اسمه الكامل بدلاً من الاختباء خلف هوية مقنّعة – أمراً ضرورياً. حينها، ستجري مراعاة الدستور، وتُعاد إلى حدّ ما الأعراف المجتمعية والعواقب المرتبطة بها.

لقد اضطرّ البشر منذ زمن طويل إلى قول الأشياء على مسمع من أشخاص سيقومون بالحكم عليهم. صحيح أن الفِرَق والولاءات تتشكّل دائماً، وأن الأفراد يستطيعون تقديم أنفسهم كما يشاؤون. لكن، سواء أكان ذلك جيداً أم سيئاً، لطالما نتجت عواقب عما يقوله الإنسان وحيال الفئة أو الجماعة التي ينتمي إليها. وبالتالي، فالتحرّر من سلطة الدولة شيء، والحق في التخفي أو اعتماد الهوية المجهولة شيء آخر.

إن التقنيين الذين ابتكروا الإنترنت هم في الواقع شركات نشْر تجني المال من ناشري المواد عبر فضائه. وفي هذا المسار بالتحديد، إنهم يقوّضون الضوابط الاجتماعية التي يُفترض بها أن تشكّل وتنظّم وتحدّ من عملية النشر والخطاب العام على السواء.

 

ترجمة بتصرّف عن موقع Geopolitical Futures

بقلم: جورج فريدمان

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.